b_300_250_16777215_01_images_image_A1.pngانتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة غريبة في سلوك التسول لدى المتسولين فبعد أن تعودنا لسنوات على هيئة ثابتة للمتسول أو المتسولة وهو ذلك الشخص الذي يظهر في ملابس بالية وفي حالة حاجة وضعف وفقر أمام المساجد والأسواق، ظهرت الآن حالات جديدة تمارس نفس حالة التسول ولكن بطرق وأساليب جديدة.. أشخاص يركبون سيارات فارهة آخر موديل ويلبسون أفضل اللبس ويبدون في أفضل هيئة ثم تتفاجأ بهم يوقفون المارة أمام محطات البنزين وفي الأسواق أو على جانب الطرق السريعة، ليقول لك عبارة شهيرة قلما أن يوجد شخص لم يسمعها: «والله أنا من مدينه كذا أو من الدولة الخليجية كذا وانقطع بي البنزين ومحتاج مبلغ،...»! ويكون قد مر على العديد من الأشخاص قبلك وجمع منهم حصيلة لا بأس بها من المال وأحرجهم بهيئته التي لا توحي للناس أنه شحاذ أومتسول أونصاب.. هذا غير التسول الإلكتروني عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج المحادثة الإلكترونية.

في البداية قال منصور الغريب -أستاذ علم الاجتماع : ان التسول ظاهرة عالمية ويجب أن نفرق هنا بين التسول والفقر والنصب لأن هذه الظواهر يحدث بينها خلط في أحيان كثيرة، فالتسول هو طلب مساعدة مالية نقدية أو عينية من الآخرين من خلال استجداء عطفهم أو كرمهم، إما بسوء الحال أو العاهات أو الأطفال بغض النظر عن صدق المتسولين أو كذبهم،أما الفقر فهو انخفاض الدخل، بحيث لا يستطيع الفرد تلبية حاجاته الأساسية، أما النصب فهو الاستيلاء على شيء مملوك بطريقة احتيالية بقصد تملك ذلك الشيء، وسبق أن شدد سماحة مفتي عام المملكة على عدم التصدق على المتسولين.

وعن كيفية طرق المتسولين الجديدة قال الغريب: التسول من الظواهر المتجددة والمتطورة فهي ظاهرة تغير جلدها بتغير المردود المادي حيث أصبحت مهنة تدر آلاف الريالات في مجتمعنا للأسف، والمراقب لهذه الظاهرة لا يستطيع حصر طرق التسول الجديدة والتي منها استخدام الطرق السريعة والتعذر بأنه عابر سبيل انقطعت به السبل، والوقوف عند أبواب الصيدليات والاستعطاف لدفع تكاليف وصفة علاجية، أما التسول الإلكتروني عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج المحادثة الإلكترونية، والوقوف أمام أجهزة الصراف الآلي والمساجد وإشارات المرور والمطاعم، ودفع تكاليف عربة التسوق، والتسول في الحج والعمرة وشهر رمضان المبارك وهو التسول الموسمي.

وحول الأسباب التي أدت إلى ابتكار وسائل جديدة للتسول لفت الغريب إلى أن مجتمعنا واع، ويقدر خطورة الطرق التقليدية للتسول وبأن هذه الظاهرة تهدد أمن وطنه فأصبح هناك ضعف في إعطاء المال لمن يقوم بمد يده فقط، ولكن المتسولين «الجدد» غيروا من طرقهم وأصبحوا يخاطبون المجتمع من خلال قيمه الدينية وعاداته وأعرافه بملامسة قيم المروءة والنخوة والتلاحم وإغاثة الملهوف وعابر السبيل ومساعدة المحتاج، فاستغلوا هذه القيم الأصيلة في مجتمعنا التي تميزه عن أي مجتمع آخر، فكان طريقاً مفروشاً بالمال لهؤلاء المتسولين، وحول كيفية توعية وتنبيه المجتمع من حيل هؤلاء المتسولين قال الغريب: الإعلام عليه الدور الأكبر في توعية المجتمع من خلال نشر حوادث التسول والتفريق بين ظاهرة النصب وظاهرة التسول، فالمواطن هو والوطن الضحية للمتسولين، وأصبحت هذه الأموال تستخدم لضرب أمن الوطن ليس من الداخل فقط وإنما من الخارج، كذلك هناك دور منوط للسلطة التشريعية بسن قوانين رادعة لهذه الظاهرة، وتغيير جهة الضبط الرسمية من مكافحة التسول التابعة لوزارة العمل إلى وزارة الداخلية ممثلة بمراكز الشرطة، فجهود وزارة العمل مشكورة ولكن في نظري بأن دورها يأتي بعد التأكد بأن المتسول فعلاً كان دافعه العوز والحاجة وتتم إحالته من قبل مراكز الشرطة، وعلينا أن نكثف جهود التوعية في الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي ونشر أفلام قصيرة تحذر من هذه الظاهرة.

من جانبه أكد منصور آل مسفوه – مدير إدارة مكافحة التسول بوزارة العمل والتنمية الاجتماعية- السعودية إن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تركز بالمقام الأول على دراسة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمتسولين السعوديين وتقديم الخدمات التي تتوافق وحالتهم سواءً عن طريق الضمان الاجتماعي أو الجمعيات الخيرية، أما ما يتعلق بأساليب المتسولين وطرقهم فهذا يدخل ضمن سياسات جهات أخرى ويوجد تعاون بين الوزارة والجهات ذات العلاقة متى ما كان هناك اشتباه لمثل هذه الأساليب، وهناك من يلجأ من المتسولين للبحث عن طرق وأساليب من أجل استدرار عطف المواطن والمقيم طلباً للمساعدة، وقد يتخطى ذلك الأمر لما هو أدهى وأمر نظراً لما يصاحب هذا الفعل الجانح من مظاهر سلوكية أخرى سواء للشخص المتسول أو المرافقين أو المحيطين به.

وعن كيفية توعية وتنبيه المجتمع من حيل هؤلاء المتسولين، أكد أن القضاء على هذه الظاهرة والحد من انتشارها لا يمكن إلا بتضافر جهود الجميع بداية من المواطن الذي له دور بارز في مكافحة هذه الظاهرة من خلال اختيار الطرق الصحيحة وعبر القنوات الرسمية لايصال الصدقة والزكاة، بالإضافة إلى الإبلاغ عن أماكن تواجد المتسولين، وأيضاً المؤسسات الحكومية ذات العلاقة كوزارة الشؤون الإسلامية من خلال إيضاح ماتفرزه الظاهرة من سلبيات على الفرد والمجتمع في خطب الجمعة والمحاضرات والندوات، وكذلك وزارة الثقافة والإعلام من خلال نشر الوعي عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة.

من جهته قال د. منصور بن عسكر -أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- يستخدم المتسولون طرقا نابعة من هذا الجانب فقد يكون لديهم أساليب مرتبطة بأعضاء الجسم من حيث الإعاقة كالعكازات وغيرها أو أنهم يستخدمون قضايا تتعلق بحوادث سير أو ما إلى ذلك ومع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تتعرض لها المجتمعات يتغير أساليب وطرق وسائل المتسولين في المجتمعات، فالمتسولون يستخدمون أساليب ووسائل مبتكرة وكذلك يستخدمون أساليب مرتبطة بالأمراض الخطيرة، ومن ذلك ما يستخدمه المتسولون من خلال وسائل التواصل سواء عن طريق الواتساب أو عن طريق الفيس بوك أو تويتر فيجب أن يكون هناك وعي لدى المواطنين في مكافحة هذه الحيل، وأرى أن المواطن هو المكافح الأول لعلاج التسول وصد المجتمع عن سرقة المواطنين من خلالها ومع تنوع وسائل التواصل ومع أيضاً الوسائل الحديثة للاتصال يستخدم أيضاً المتسولون طرقا مبتكرة بهذا الجانب، مطالباً من يقف في مكافحة المتسولين أن يكون واعياً لهذا الأمر، إذ توجد عدة نظريات اجتماعية تفسر مثل هذا السلوك من أبرزها نظرية الوتيرة الإقتصادية التي ترى أن الانحراف ليس نابعاً من خلال الفرد لأنه معرض لهذا الأمر، وأنما نابع من الصعود المفاجئ نحو الغنى أو الهبوط المفاجئ نحو الفقر، إذا لم يكن هناك قيم وآداب تردع هذا الشخص وأيضاً يلاحظ في مجتمعنا أن هناك ثقة كبيرة جداً في الجمعيات الخيرية التي تقوم بدور كبير بإيصال الأموال والصدقات لمستحقيها سواء من أيتام أو أرامل أو مطلقات أو حتى فقراء، فلذلك يجب أن يكون هناك دعم كبير من المواطنين للجمعيات الخيرية لتقوم بدورها وتصرف مثل هذه الأموال إلى مستحقيها من خلالهم، فمتى ما تكاتف المجتمع في مكافحة المتسولين كان هناك طرق كبيرة جداً لصرف الزكاة والصدقات إلى مستحقيها، ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية تقوم بدور كبير لمكافحة المتسولين.

بدوره قال د. ماجد أباحسين – أستاذ كلية التربية بجامعة الجمعة-: في السابق كانت الجوامع والأسواق أماكن يستهدفها المتسول ضماناً للوصول لشريحة كبيرة من الناس، ولكن ومع الثورة التقنية في وسائل التواصل في وقتنا الحالي اتخذ التسول أساليب وأدوات حديثة أبعدته عن صورته النمطية المتعارف عليها، فبرزت ظاهرت التسول عن بعد أو ما يعرف بالتسول الإلكتروني الذي شكلت برامج التواصل الاجتماعي بسرعتها في انتشار المعلومة ووصولها لشرائح أعرض من الناس بيئة خصبة لاحتضانه، بل أصبح المتسول أكثر ذكاء واحترافية في عرض تسوله فبدلاً من التركيز على عرض حالته الشخصية كالإدعاء بإصابته بعاهة أو مرض أو تعرضه للسرقه اتخذ من الحالات المرضية لأشخاص آخرين أو عوزهم طريقة لاستجداء واستمالة عواطف الناس من خلال عرضها في وسائل التواصل، مدعيا بأنه وسيط خير بينهم وبين صاحب الحالة، ومستخدماً أرقام اتصال وهمية وحسابات بنكية خاصة به وللأسف وبحسن نية ورغبة في الأجر سقط أشخاص كُثر في شراك مصيدتهم.

وأضاف د.أباحسين: من الأسباب التي أدت للجوء المتسولين لهذه الوسائل الحديثة في التسول هو سهولة استخدامها وسرعة انتشارها ما سهل لهم الوصول إلى شرائح أكبر من الناس، إضافة إلى أن المتسول يستطيع إخفاء شخصيته تحت اسم مستعار للحماية من الملاحقات القانونية، وفوق ذلك كان لجهود الدولة في مكافحة التسول السبب الكبير في تجفيف منابعه ولجوء المتسولين إلى الطرق الخفية، ولمجابهة خطر انتشار التسول بكل أشكاله لابد من رفع مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع من خلال عرض برامج توعية تركز على إظهار إبراز الأساليب التي يتبناها المتسولون في وسائل التواصل الاجتماعي وإظهار حيلهم، وحث المجتمع على عدم المساعدة في نشر تلك الرسائل أو الحيل، بالإضافة إلى تغليظ العقوبة على من يلجأ إلى استخدام تلك الحيل.

أضف تعليق


كود امني
تحديث