D2(2).png

 

في بعض البلدان، يرتبط المطر بالكآبة والسوداوية. وفي بلدان أخرى، يرمز المطر للخصوبة والوفرة، أما في بلدان الخليج القاحلة فقد أصبح المطر مؤشرًا للتقدّم التكنولوجي.

وبما أن معدّل هطول الأمطار في منطقة الخليج لا يصل حتى الى 100 ملم في السنة، مقارنة بـ2.500 ملم من الأمطار المتساقطة في دولة سنغافورة وحدها، فان هذا يدفع دول المنطقة الى انتاج المطر بأنفسهم. فمن خلال عملية تعرف بالاستمطار، أو «بذر الغيوم»، يتم فيها رش مواد كيميائية، كايوديد الفضة، وايوديد البوتاسيوم وثاني أوكسيد الكربون الصلب، على الغيوم بواسطة صواريخ تطلق عليها من الأرض أو بواسطة طائرات تحلّق فوق الغيوم أو بواسطة طائرات من دون طيار. وتتكثّف الرطوبة في الغيوم حول تلك الجزيئيات الكيميائية ومن ثمّ تتساقط على شكل قطرات ماء.

استخدام هذه التقنية على نطاق واسع ليس بالأمر الجديد. فلقد تم استخدامها في أوروبا في الخمسينيات واستخدمتها الولايات المتحدة كسلاح في حرب فيتنام في الستينيات. وفي الثمانينيات، بدأت الصين باستخدامها وهي اليوم أهم «باذر للغيوم» في العالم. وفي دول الخليج العربي، تم اختبار تقنية الاستمطار للمرّة الأولى منذ أكثر من عشرين عامًا: في المملكة العربية السعودية في التسعينيات والامارات العربية المتحدة بعد عقدٍ من الزمن.

واليوم، تستخدم هاتان الدولتان هذه التقنية لزيادة كمية المياه الصالحة للشرب المتوفرة لديهما. فنسب استهلاك الفرد فيهما للمياه هي من بين النسب الأعلى في العالم. ويتزايد اعتماد هاتين الدولتين على مصادر المياه غير التقليدية كتحلية المياه التي تشكل 70 و72 ٪ من المياه المنتجة من مصادر غير تقليدية في السعودية والامارات على التوالي. وهنا يضيف رولوف برويتجس Roelof Bruitjes، وهو رئيس فريق الخبراء المختصين في تقنيات تعديل الطقس التابع للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، شارحًا: «أظهرت دراسات أجريت في السابق، أن كلفة انتاج المتر المكعّب من المياه بواسطة طرق الانتاج الأخرى تفوق كلفة انتاجه بواسطة الاستمطار، بخمس الى خمس عشرة مرّة».

 

نحن بحاجة الى غيوم

تبلغ تقنية الاستمطار أقصى درجات فعاليتها في البيئات النظيفة. الا أنه في الشرق الأوسط، تواجه هذه التقنية عوائق ناتجة عن عوامل عدّة منها منسوب الغبار المرتفع في الجو، والتلوث بسبب القطاع النفطي وطبعًا بسبب غياب الغيوم. ويعلّق برويتجس هنا قائلاً: «تقنية الاستمطار ليست أداةً لمكافحة الجفاف» ويتابع: «غالبية الناس تريد استخدام الاستمطار في حالات الجفاف، الا أنه لا وجود للغيوم في تلك الحالات. على سبيل المثال، لا غيوم أبدًا في الجزء الأكبر من أراضي المملكة العربية السعودية.
ولا يمكن استخدام الاستمطار الا في شمالها، وهو جزء محدود للغاية من هذه الدولة».

حتى في البلاد الغائمة عادةً، لا يمكن لتقنية الاستمطار زيادة كمية الأمطار المتساقطة
الا بنسبة لا تزيد على 10 ٪. وحتى ذلك صعب الاثبات فكمية الأمطار التي كانت لتنتجها الغيمة لو لم تُستخدم تقنية الاستمطار غير معروفة أصلاً. وبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية: «لا تتوفر أدلة مادية مباشرة كافية بأن كمية الأمطار أو الثلوج المتساقطة أو البرق أو الرياح قابلة للتعديل بشكلٍ كبير بوسائل اصطناعية».

 

الأثر على البيئة

على مدى السبعين عامًا من البحوث في هذا المجال، ما زال الأثر البيئي لتقنية الاستمطار مجهولاً. ويحذّر أحد بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أنه على الرغم من عدم التثبت من وجود أي تداعيات لتقنية الاستمطار بعد، لا يمكن استبعاد وجودها كليًا». ومن جهتها، تميل الحكومات والشركات الى القول بأنه لا وجود لآثار سلبية على البيئة. وبدوره، يقول المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل في الامارات العربية المتحدة ان هذه التقنية «تستعين ببعض المواد الكيميائية غير الضارة بالبيئة». أما المجلس الشمال أميركي لتعديل المناخ فيؤكد أنه «لم يلحظ أي تأثيرات مضرّة بالبيئة ناجمة عن تقنية «بذر الغيوم». اضافة الى ذلك، تفيد معظم البحوث العلمية بذلك أيضًا. ويشير برويتجس الى أن منتجعات التزلج في كولورادو تستعين بهذه التقنية منذ أكثر من خمسين سنة من دون أي آثار سلبية ظاهرة على البيئة. ويضيف أن
70 ٪ من الجزيئيات الموجودة في الغيوم ناتجة عن أنشطة بشرية كالتلوّث المُدني ودخان المصانع وحرائق الغابات. ويتابع: «أقول للناس أنهم حين يقودون سياراتهم يقومون في الوقت عينه ببذر الغيوم، فالسيارات تبعث مواد النيترات التي تتسبب بهطول المطر».

ومع ذلك، يقرّ برويتجس أن «أسئلة كثيرة ما زالت من دون اجابة؛ من المعروف أننا قادرون على زيادة كمية تساقط الثلوج، ولكننا لم نتوصل بعد لفهم سبب حدوث هذه النتائج فعليًا». ويضيف أنه في بعض الحالات، تمطر الغيوم فترة أطول عوضًا عن انتاج أمطار أكثر.

 

تمويل البحوث

أدى تنامي اهتمام الدول الخليجية بتحسين نسبة هطول الأمطار الى تقديم دعم مالي كبير للبحوث في هذا المجال. وهذه السنة، صرفت الامارات 5 ملايين دولار على برنامج الامارات لبحوث علوم الاستمطار، الذي يقدّم منحاً لمشاريع البحوث. وفي هذا الصدد، يقول نيل براكين Neil Brackin، رئيس مجلس تعديل المناخ الذي يجري بحوثًا لتحسين نسبة هطول الأمطار في الامارات والأردن والمغرب والمملكة العربية السعودية ان «لدول الخليج مصلحة كبيرة في نجاح وتطوير تقنية بذر الغيوم».

ويرى براكين أنه يمكن لهذه التقنية أن تلعب دورًا أساسيًا في مجال ادارة المياه في دول الخليج، ويضيف: «تؤمّن تحلية المياه كمية المياه اللازمة حاليًا لسد الحاجة للمياه الصالحة للاستهلاك والزراعة وغير ذلك، الا أنها غير قادرة على تجديد مخزون المياه الجوفية. فالمصدر الوحيد القادر على تجديد هذا المخزون هو تساقط الأمطار».

ويبدو أن تقنية الاستمطار هذه قادرة على تقديم الكثير لدول الخليج حيث نسبة استهلاك المياه في تزايد مطرد. لكن، يجب ألا تحظى صناعة الأمطار باهتمام أكثر من تقنيات المحافظة على المياه واعادة استخدامها. فدبي مثلاً ترمي 95 ٪ من مياه الصرف الصحي في البحر. وفي مدينة جدّة لا يعاد استخدام 86 ٪ من مياه الصرف الصحي في حين تصل هذه النسبة الى 61 ٪ في مدينة الرياض. ربما يتوجب على دول الخليج التخطيط لرمي كمية أقل من المياه الصالحة للاستخدام في البحر عوضًا عن استخراجها من السماء.

غالباً ما تنتظر الشعوب أن تنعم عليها السماء بالأمطار التي تعتبر مصدراً مهماً للحياة. الا أنه قلما تتمّ الاستجابة لهذه المطالب، فتارة تكون الأمطار شحيحة، وتارة غزيرة. وقد تصبح في الحال الأولى أشبه بلعنة.

ولكن الإنسان يجد دوماً وسائل عدة ليتأقلم مع الطبيعة، محاولاً الاستفادة منها بطرق ايجابية أو سلبية ليلبّي حاجاته. من بين هذه الأساليب، الاستمطار، أو بالأحرى صناعة المطر، التي تستخدم منذ سنوات في مختلف دول العالم كالصين والهند والولايات المتحدة وأستراليا وسلطنة عمان وأيضاً الامارات العربية المتحدة، التي قامت طائرات استمطار السحب الخاصة بها بـ187 طلعة جوية منذ بداية العام، بحسب مصادر المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل في أبو ظبي.

يقول رئيس قسم عمليات الاستمطار، التابع للمركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل، علي المسلّم ان فكرة الاستمطار بدأت مع الرئيس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي «حرص على زيادة المياه الجوفية كمخزون استراتيجي للأجيال المقبلة». ونظراً لتزايد سكان الدولة، تّمت الاستعانة بعلماء من مختلف الدول، من بينهم وكالة ناسا الفضائية وجامعات أميركية وجنوب افريقية، فضلاً عن متخصصين بدراسات الغلاف الجوي لاجراء الأبحاث التي امتدت من 2000 الى 2004. توصلّت هذه الأبحاث الى امكانية استخدام الأملاح في عملية الاستمطار، وأغلبها في فصل الصيف بسبب تكوّن السحب الركامية على السلسلة الجبلية في هذا الفصل من السنة.

لا بدّ، هنا، من العودة الى تعريف الاستمطار الذي يقول المسلّم انه «بذر أنواع من الأملاح داخل السحب بطريقة معينة لزيادة قطرات الماء، وتالياً كمية الأمطار واطالة فترة عمر السحابة». ينوّه المسلّم بأنّ عملية الاستمطار ليست لانشاء وتكوين السحب وانما لزيادة كميات المياه في داخلها. وتتدخل عوامل عدّة لانجاح عملية الاستمطار كتكوّن السحب الركامية ووجود تيارات الهواء الصاعد والمحمل بالرطوبة أو بخار الماء، بالاضافة الى وصول الطائرات الى مكان وجود السحابة في الوقت المناسب، اذ لا يتجاوز عمر السحابة الواحدة الـ45 دقيقة، هذا علاوة على اطلاق عدد من الشعلات المناسبة على نحو يتلاءم مع حجم السحابة.

 

تفاصيل عملية الاستمطار

تتعدّد طرق الاستمطار، كاستخدام الطائرات، والصواريخ، والتلقيح الأرضي أو الطريقة الأيونية «التي تعتمدها سلطنة عمان». وبحسب المسلّم، هنالك نوعَان من التلقيح: تلقيح من أسفل السحابة باستخدام الأملاح، وآخر من أعلى السحابة باستخدام نترات الفضة.

أما دولة الامارات التي تفتقر للمياه، فتعتمد على الطائرات في عملية التلقيح لزيادة قطرات المياه داخل السحب الركامية بواسطة استخدام أملاح كلوريد الصوديوم، وكلوريد الكالسيوم وكلوريد البوتاسيوم. الا أنّ هذه العملية ليست سهلة وتتضمّن مراحل مختلفة. يشرح المسلم: «بفضل نشرة الأحوال الجوية التي يصدرها المركز الوطني للأحوال الجوية والزلازل يومياً، يمكن توقّع مكان وزمان تكوّن السحب الركامية. ثم يتمّ الاعداد للعملية قبل ثلاثة أيام وابلاغ الطيارين وتجهيز الطائرات. في ساعة التنفيذ، يتلقى الطيّار الأوامر من غرفة العمليات في المركز من أبوظبي بالاقلاع بعد أن نحدّد له الوجهة بخطوط الطول والعرض، أي مكان تكوّن السحابة، بواسطة أجهزة الرادار المنتشرة في المناطق وعددها 5، بالاضافة الى صور الأقمار الصناعية. تضطلع غرفة العمليات بمهمة دراسة السحابة أثناء تكونها وكمية المياه في داخلها واعطاء الأوامر للطيار، حول عدد الشعلات الملحية التي يجب اطلاقها في اللحظة ذاتها». ويضيف «لا بد من الاشارة الى أنّ الأملاح التي تخرج من الشعلات هي ذرات صغيرة تشكل سطحاً جيداً يتكّثف عليه بخار الماء لتتكون قطرة صغيرة من الماء. وبفعل العملية الفيزيائية أو الديناميكية للهواء داخل السحابة، تتصادم ملايين القطيرات فتلتحم لتشكل قطرة كبيرة لا يمكن للهواء الصاعد حملها فتسقط على شكل أمطار على سطح الأرض ومن ثم الى باطنها لتكوّن المياه الجوفية».

 

أيّ طائرات للاستمطار؟

تلجأ الامارات العربية المتحدة الى طائرات Cloud-seeding Beechcraft من نوع King air c90. يقول المسلم: «هذه الطائرات تتحمّل الظروف الجوية الصعبة التي قد تصل الى ارتفاع 25 ألف قدم، بالاضافة الى أنّها مهيأة لتركيب أجهزة الاستمطار على هيكلها الخارجي ووضع أجهزة الدراسات في داخلها». ويلفت الى أن لدى المركز ست طائرات، في حين أنّ الطيارين يملكون سنوات من الخبرة في عالم الطيران. يشترط المركز على كلّ طيّار أن يكون أنهى أكثر من 3000 ساعة طيران على مختلف أنواع الطائرات ثم يلتحق بدورات تدريبية ينظّمها المركز عن سلامة الطيران والطائرات ودورات عن علم الأرصاد الجوية، لا سيما في ما يتعلّق بتكون السحب الركامية وكيفية تجنب مخاطرها أثناء تنفيذ عمليات الاستمطار. يُذكر أن هذه الطائرات تقلع من مطار العين الدولي أو من مطار البطين الخاص في أبوظبي.

 

فوائد وانتقادات

يعتبر المسلم أن عملية الاستمطار تندرج ضمن الوسائل الناجحة لتحسين الطقس، حتى لو أن الطريقة المستخدمة تختلف بحسب الظروف الجويّة لكلّ دولة أو منطقة. علماً أن بعض الدول تعاني من تساقط حبات البرد الكبيرة، فتستخدم وسائل للتخلص منها أو لتصغير حجمها من أجل حماية المحاصيل الزراعية، في حين أن دولاً أخرى تلجأ الى الاستمطار لزيادة قطرات الماء داخل السحابة وتالياً زيادة كمية الأمطار واطالة عمر السحابة.

واعتبرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقرير لها عام 2010 أن تغيير الطقس قد يساعد بعض الدول في تحسين اقتصادها في بعض النشاطات، مثل زيادة مخزون المياه من أجل الزراعة أو توليد الطاقة أو حتى تقليص المخاطر المرتبطة ببعض الأحداث على غرار الضباب والعواصف الرعدية، الا أنّ المنظمة أكّدت ضرورة النظر في تأثير هذه الوسائل كالاستمطار على النشاطات الأخرى أو على السكان، من دون تجاهل الجوانب القانونية أو البيئية أو الاجتماعية.

ويؤكّد التقرير أنه على الرغم من التكلفة الباهظة للعملية، تظلّ أرخص من مشاريع أخرى كتحويل مجاري الأنهار أو بناء قنوات وسدود جديدة أو تحسين أنظمة الريّ. وأضاف أن عمليات الاستمطار لا تؤثر في المناخ على المدى الطويل. فـ«تأثيرها مؤقت اذ نتعامل مع كل سحابة على حدة لزيادة الأمطار في داخلها. فنحن نستهدف بخار الماء في بطن السحابة ليتكثف ويتحول الى ماء».

في المقابل، أظهرت بعض الدراسات أن عمليات الاستمطار التي تلجأ اليها العديد من الدول في مختلف أنحاء العالم ليست فعّالة بقدر ما كان متوقعاً، مشيرةً الى أن الطائرات التجارية قد تساعد على هطول المطر في بعض الظروف المناخية. كما يخشى البعض من تأثير التعرّض الى «يوديد الفضة» وتلويث الأرض على الرغم من تطمينات القيّمين على هذه المشاريع.

واذا كان الجدل قائماً في المجتمع العلميّ حول فوائد عملية الاستمطار، فان الجدل الأكبر الذي ظهر في المنطقة العربية كان في شأن الشرعية الدينية لعملية الاستمطار. فقد اعتبر كثيرون، ومن بينهم الأستاذ المساعد في قسم الفقه المقارن في المعهد العالي في السعودية خالد بن مفلح آل حامد أن عملية الاستمطار لا تجوز شرعاً لأن هطول الأمطار بيد الله وحده الا أنّه عاد واعتذر عن هذا التصريح. وردّ آخرون على هذه الفرضية بالقول ان الإنسان يستخدم عقله والطرق المتاحة له من أجل التطوّر والبقاء، وأن لا دليل يمنع ذلك في القرآن.

أخيراً، وعلى الرغم من اختلافات الرأي، فان عمليات الاستمطار مستمرة منذ الأربعينيات من القرن الماضي حينما أحرز العلماء تقدّماً حقيقياً في استحداث المطر الصناعي. الا أن الوقت ما زال مبكراً والطريق طويلة قبل الاعتراف بعمليات الاستمطار كوسيلة من وسائل الحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي.