b_100_56_16777215_01_images_image_M4(1).pngبقلم : د. عيسى عبدالباقي

تعد الصحافة الاستقصائية واحدة من أكثر الأنماط الصحافية المثيرة للجدل وأكثرها تكلفة، اذ تتطلب المزيد من الالتزام والوقت والاستثمارات، فهي تضطلع بدور أكثر تحريضا للرأي العام تجاه أية انحرافات تحدث في المجتمع، بالاضافة إلى دورها في تحليل المعلومات وممارسة الدور شبه القضائي في تحديد جهات الاتهام للانحرافات التي يتم تحديدها،  ويتجاوز هذا الدور مجرد الاقتصار على الوصف، أو رد الفعل، على غرار ما يحدث في الأنواع الأخرى من الصحافة، ومن ثم فهي تحظى بالمزيد من الاطراء والتشجيع باعتبار أنها تساهم في تعزيز الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في الرقابة على الحكومات، والشركات الكبرى التي تتمتع بنفوذ هائل في تلك المجتمعات.
وهناك مفهوم شائع للصحافة الاستقصائية يتمثل في المضي خلف ما يريد بعض الأشخاص اخفاءه، وهي بذلك تقدم المسودة الأولى من التشريعات بجذبها الانتباه إلى مظاهر الاخفاق في نطاق الرقابة بالمجتمع، وكيف تم اختراق هذه النظم من جانب الأغنياء وذوي النفوذ والفاسدين.
والصحافة الاستقصائية هي صحافة المعلومات المخفية، أي الصحافة التي تهدف إلى الكشف عن المعلومات التي لا يتاح الاطلاع عليها لكل الأشخاص، وهي النمط الذي يتميز بالنظرة الشمولية وبذل الجهد المضني تجاه القضايا التي تؤثر على حياة المواطنين، وتساهم بدور لا يمكن الاستعاضة عنه في المجتمع الحديث، خاصة أن تعرية القصور والفساد في الحكومة يمكن أن يؤدي إلى تغيير السياسات الحكومية العقيمة، ومن ثم حماية أموال دافعي الضرائب من التبديد والاهدار وبالتالي انهاء خدمة المسؤولين الذين يسيئون التصرف في الأموال العامة، كما أن عملية الكشف عن الممارسات غير الأخلاقية لرجال الأعمال يمكن أن ينقذ صحة وأموال المستهلكين.
وغالباً ما يقوم المحررون المتخصصون في الصحافة الاستقصائية بايضاح وتفسير العمل الذي يقومون به من خلال رسم ما يعرف بنموذج الحشد والتحريض ووفقاً لهذه النظرة التي تتسم بالابداع المتميز، يعمل الصحافيون الاستقصائيون بصورة مستقلة في الكشف عن الأخطاء في المجتمع، ومن ثم تتسبب التقارير التي يعدونها في حشد وتهييج الرأي العام من أجل المطالبة بالاصلاح والتغيير، مع دفع صانعي القرار لتقديم مشروعات القوانين التي تنظم المقترحات الاصلاحية، ومن خلال هذا النموذج يمكن أن يؤثر المحررون بصورة ايجابية على العملية السياسية.
 كما ذهب بعض الباحثين إلى أن الصحافة الاستقصائية في كثير من الأوقات تقوم بوضع أجندات العمل العام دون ممارسة أية أدوار تهدف للحشد والتعبئة والتحريض من قبل الرأي العام، فهي تسلط الضوء على الأخطاء التي يتم ارتكابها بدون الدعوة المباشرة للمطالبة بالاصلاح والتغيير، وفي أحيان أخرى تقوم الصحافة الاستقصائية ببناء الأولويات العامة كعملية جماعية يمكن أن يتبادل التأثير فيها كل من الحكومة، ووسائل الإعلام، والرأي العام، من أجل خلق وايجاد نتائج اصلاحية، وتغييرات في السياسات العامة، يمكن أن تعزز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
وتاريخ الصحافة الاستقصائية في الغرب، والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص حافل بما لديها من ثراء في عدد المحررين المتمرسين الذين تمكنوا من الكشف عن الجوانب غير المنظورة في المجتمع، ومن ثم اعداد التقارير عن أوجه القصور وتقديمها إلى العالم الخارجي، ومثل هذا النوع من الصحافة أدى إلى احداث تغييرات عميقة في تلك الأنظمة، وساهم في تخليص المجتمع من العيوب المستترة التي قد لا تثير الانتباه في معظم الأحيان.
وقد بدأت الصحافة الاستقصائية في المرحلة الأولى من ظهورها باعتبارها نوعاً من الصحافة يبحث عن تعقب الفساد والفضائح من خلال التيار الرئيسي لممارسة مهنة الصحافة في الولايات المتحدة بدءاً من سنوات القرن التاسع عشر وحتى بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914م، ما أدى إلى تأثيرها على العديد من الأفراد ذوي التوجهات السياسية، وقد حظيت الصحافة الاستقصائية بدور مهم وان لم يكن محورياً خلال الفترة من عام 1920 حتى عام 1960، ومنذ عام 1960 حتى عام 1975، برزت الصحافة الاستقصائية مرة أخرى كعنصر متميز خلال التيار العام لممارسة وسائل الإعلام.
وفي بريطانيا ينظر إلى سنوات الستينات والسبعينات من القرن العشرين باعتبارها تمثل نمطاً من العصر الذهبي للصحافة الاستقصائية، فقد خصصت في تلك الفترة الكثير من الصحف البريطانية القومية مجموعات من العاملين بها للعمل الاستقصائي، ومنها صحيفة صنداى تايمز فقد خصصت مجموعة استقصائية أكثر شهرة وتميزاً عرفت باسم انسايت وقد أنشات هذه المجموعة عام 1963، وكان لها السبق في الكشف عن مجزرة ماي لاي التي وقعت خلال حرب فيتنام وتم فيها قتل خمسمائة مدني أعزل من قبل مجموعة من الجنود الأميركيين كانوا في مهمة بحث وتدمير في مارس 1968 من خلال فيلم تسجيلي وكتاب بعنوان: أربع ساعات في ماي لاي، برئاسة الصحافي البريطاني الشهير مايكل بيلتون، فعملية كشف الأخطاء من خلال الصحافة الاستقصائية يمثل قوة يمكنها أن تؤثر على السياسات العامة، ففي الحقبة الأولى لظهور هذا اللون من الصحافة كان لها الفضل في فضح جرائم الرشوة، والفساد، والجريمة المنظمة، وهدر الموارد، والوحشية من جانب أجهزة الشرطة في التعامل مع المواطنين، وكان الاحساس بالمسؤولية الاجتماعية الدافع وراء هذه التوجهات من جانب المحررين.
وفي أواخر الستينات والسبعينات تسبب الكشف عن الفضائح التي ارتكبتها القوات الأميركية في حرب فيتنام في تحويل توجه الرأي العام الأميركي إلى معارضة تلك الحرب، ما أدى إلى ادخال بعض التغييرات في السياسة الخارجية الأميركية، وبالمثل فان نشر القصص الاستقصائية عن المسؤولين في البيت الابيض ابان فضيحة ووترجيت تسبب في فقد الثقة في ادارة الرئيس الجمهوري السابق ريتشارد نيكسون، ما أسفر عن ارغام نيكسون على الاستقالة من منصبه قبل أن يتم فترة رئاسته الأولى.
 وكانت هناك بعض العوامل التي ساعدت في ازدهار الصحافة الاستقصائية في تلك الفترة منها: الاضطراب السياسي بسبب الحرب غير الأخلاقية في فيتنام، والتنافس بين المؤسسات الصحافية، والدعم المالي الذي حصلت عليه الصحافة من خلال انشاء صندوق مستقل للصحافة الاستقصائية تموله المؤسسات والأفراد، وتأسيس اتحاد المندوبين والمحررين الاستقصائيين عام 1976 كجماعة صحافية لا تهدف إلى الربح لتشجيع الصحافة الاستقصائية وتنميتها، ومشاركة عدد من الصحافيين الأكفاء والمتمرسين وكان أبرزهم سيمورهيرش الذي كشف الجرائم التي ارتكبها الجيش الأميركي في قرية Mai lai في فيتنام 1969، وبوب وودوارد، وكارل برنشتاين اللذان تمكنا بطريقة مثالية من تفجير فضيحة ووترجيت.
 وفي المرحلة الراهنة هناك العديد من الموضوعات الاستقصائية الرصينة التي توضح بقوة الأثر الذي أحدثته أجهزة الحاسبات الآلية في تطور تقنيات العمل الاستقصائي، فقد خرجت إلى النور العديد من التقارير الاستقصائية بفضل المساعدة التي قدمتها أجهزة الحاسوب.
 فكما يبدو من العرض السابق، فان الصحافة الاستقصائية يمكنها أن تترك أثراً واضحاً على السياسات العامة، في حين أن البعض منها قد يترك تأثيراً ضخما على الرأي العام، وعملية صنع القرار، فيما البعض الآخر قد يتراجع تأثيره إلى حد الطفيف، الأمر الذي يوضح أن هناك عناصر مهمة تحدد مدى وعمق هذا التأثير.
تنبع هذه العوامل كما يرى من العوامل السياسية، وطبيعة وأهمية تلك التقارير، ودرجة المصداقية التي تتمتع بها وسائل الإعلام، ومعدو التقارير، وتوقيت النشر، ومحتوى تلك التقارير، وتوجهات الرأي العام، وتعتبر هذه المتغيرات بمثابة المقاييس التي تؤكد مدى فاعلية وتأثير الصحافة الاستقصائية، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها.
وفي البيئة العربية ظل هذا النوع من الصحافة غائباً بشكل واضح بمفهومه المنهجي والعلمي الدقيق والمتعارف عليه في أدبيات مهنة الصحافة، رغم التحديات التي تواجهها، والبحث عن تقديم ما هو مختلف للحفاظ على القراء من جهة، وضمان قدرتها على البقاء في السوق الإعلامية من جهة أخرى.
ففي ظل تسيد وسائل الإعلام المرئية والشبكات الاخبارية واجهة المشهد الإعلامي بعد أن أصبحت المصدر الرئيسي للأخبار عن مختلف الأحداث،ودخول وسائل الإعلام الجديدة والتي ساعدت شبكة الانترنت على وجودها قد جعلت وسائل الإعلام التقليدية خاصة الصحافة المطبوعة أمام تحدي الاستمرارية بتقديم ما هو مختلف،وهو ما تنبهت اليه بعض المؤسسات الصحافية لاسيما الخاصة، فكان تركيزها على العمل الاستقصائي المثير كمادة تنافس بها وسائل الاتصال الحديثة.
 فلم تعرف الصحافة العربية هذا النمط من الصحافة بشكل منهجي الا في السنوات الأخيرة من القرن الحالي، وبقدر هامش الحرية المتاح في كل دولة، ما جعل المشهد متفاوتا من بلد إلى آخر،وربما يرجع ذلك إلى أسباب عدة تتلخص في: القيود التشريعية المنظمة للعمل الصحافي والإعلامي بشكل عام فيما يتعلق بقانون حق الحصول على المعلومات، وعدم توفير المؤسسات الصحافية والإعلامية البيئة المناسبة للصحافيين لديها لتنفيذ مشاريع استقصائية، وغياب الصحافي المتدرب بسبب اهمال تلك المؤسسات تدريب العاملين لديها، بالاضافة إلى العقلية التي تتحكم في القائمين على أمر هذه الوسائل وعدم الرغبة في تقديم ما هو مختلف.

الصحافة الاستقصائية وصناعة الرأي العام:
درس الباحثون في وسائل الإعلام الأميركية، والمشرفون على اعداد مسوح واستطلاعات الرأي العام، مدى تقبل الرأي العام الأميركي للصحافة الاستقصائية، والتقنيات التي يلجأ اليها المحررون لدى اعداد تلك التقارير، وقد حاول هؤلاء الباحثون تحديد المتغيرات التي تؤثر على تلك المدركات، من خلال متابعة واستحضار عدد من سلاسل القصص والتحقيقات الاستقصائية، بهدف التعرف على مدى تجاوب الرأي العام مع مفهوم تلك القصص والتقارير الاستقصائية، وما اذا كان الرأي العام يقوم بأي رد فعل تجاه هذه التقارير.
 فمنذ السنوات الأولى من عقد الثمانينات من القرن الماضي، حاول الباحثون في الصحافة الأميركية، والقائمون على اعداد مسوح واستطلاعات الرأي العام، تقييم مدركات الرأي العام الأميركي للصحافة الاستقصائية، من خلال القيام بمسح ورصد مدى قبولهم لهذا النوع من الصحافة، والأساليب التي يتم اتباعها للحصول على القصص الاستقصائية، وقد حاول هؤلاء الباحثون تحديد العديد من المتغيرات التي تؤثر على المدركات المتعلقة بالصحافة الاستقصائية لدى الرأي العام، علاوة على ذلك، تساءل القائمون على هذه البحوث والاستطلاعات، عما اذا كان الأفراد الذين تم استطلاع آرائهم يشعرون بالسعادة والرضا لدى قراءة ومشاهدة التحقيقات الاستقصائية التي تنشرها أو تبثها الشبكات الاخبارية، وما اذا كانت الصحافة الاستقصائية جديرة بالاهتمام عندما تقود إلى بعض الأعمال كرد فعل على ما تنشره أو تبثه، وما اذا كانت تلك التقارير تمثل انتهاكاً لخصوصية الأفراد والمؤسسات، وذلك أثناء محاولة المحررين الاستقصائيين الحصول على القصص التي يقومون بنشرها أو بثها.
خلال الثمانينات انتشر تأييد الرأي العام لممارسة الصحافة الاستقصائية، وأقر الرأي العام الأساليب المتنوعة التي يلجأ اليها الصحافيون لجمع مواد القصص والتقارير الاستقصائية، الا أن هذا التأييد خلال سنوات التسعينات من القرن العشرين أصبح محلاً للتساؤل، وذلك بسبب الدعاوى القضائية التي تم تحريكها ضد وسائل الإعلام في الولايات المتحدة فعلى سبيل المثال خلال عقد التسعينات قامت شركة فود لايون التي تدير سلسلة من المتاجر المتخصصة في الصناعات الغذائية وأصناف البقالة، بمقاضاة شبكة ABC الأميركية الاخبارية، بسبب الأساليب التي اتبعها المحررون العاملون بالشبكة في جمع المعلومات عن اعداد الحلقات التي تم بثها من خلال برنامج Prime Time Live، وقد انحاز المحلفون إلى جانب الشركة، ومن ثم صدر الحكم من المحكمة التي نظرت تلك القضية بتغريم الشبكة «5.5» ملايين دولار، ولكن أعادت الدائرة الرابعة من محكمة الاستئناف الأميركية نظر القضية من جديد بعد أن أصدر القاضي في محكمة الدرجة الأولى حكما بتخفيض مبلغ الغرامة إلى «315» ألف دولار.
ولكن موقف المحلفين في تلك القضية أثار القلق لدى العديد من المتخصصين في الصحافة العامة،والعاملين في مجال الصحافة الاستقصائية بالولايات المتحدة على وجه الخصوص، خاصة أن المحلفين يمثلون نظرة الرأي العام إلى القضية، قبل أن يعبروا عن مواقف شخصية خاصة بالمحلفين وحدهم، وقد انطوى هذا الموقف من جانب المحلفين على رسائل وجهها الرأي العام إلى العاملين في مجال الصحافة الاستقصائية بجانب طريقتهم في الحكم على الأمور.
كما قام كل من فيدلر وويفر بالاشراف على واحدة من الدراسات المبكرة لقياس ادراك الرأي العام الأميركي وتجاوبه مع التقارير الاستقصائية، وموقفه من التقنيات التي يلجأ اليها المحررون للحصول على المعلومات، والتي قد تتنافى مع المعايير الأخلاقية، فضلا عن تقييم التوجهات التي يميل اليها المواطنون في الولايات المتحدة، وذلك من خلال القيام بعملية مسح لقراء صحف مدينة شيكاغو، ذلك التاريخ تعددت عمليات مسح وقياس الرأي العام، منها المسوح والاستطلاعات التي قام بها الخبراء في مؤسسة معهد جالوب عام 1981،وعملية المسح التي قام بها الأعضاء في جمعية المحررين الصحافيين بالولايات المتحدة بين عامي 1984-1985.
وكذلك الدراسة التي أجراها الباحثون في جامعة اندياينا عام 1989، بالاضافة إلى عملية المسح التي قام بها الباحثون في معهد بيو Pew لقياس الرأي العام في الولايات المتحدة عام 1997، والدراسة التي أجرتها شبكة ABC عام 1997، ومسح ولاية تكساس 1998، وقد ركزت تلك الدراسات على قياس مدى تجاوب الرأي العام مع القضايا التي تثيرها الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة.
وبمرور الوقت تراجعت نسبة تأييد المشاركين في استطلاعات الرأي، من الذين كانوا يرون أن الصحافة الاستقصائية تعد نوعاً بالغ الأهمية بين أنماط الصحافة الأخرى، ولكن منذ السنوات الأولى من عقد الثمانينات من القرن العشرين استمر تأييد المشاركين في استطلاعات الرأي العام للصحافة الاستقصائية، وأعلنوا أنهم يوافقون على الأساليب التي قد تبدو غريبة لجمع المعلومات الضرورية للقصص والموضوعات الاستقصائية، طالما كان الهدف هو تعرية الانحرافات، وكشف الفساد، دون استخدام تلك المعلومات لتحقيق أغراض خاصة أو مشبوهة.

الصحافة الاستقصائية ورسم السياسات العامة
 لا تؤدي جميع التقارير والقصص الاستقصائية التي يتم نشرها أو بثها إلى تحقيق نتائج اصلاحية، فبعض تلك التقارير الاستقصائية ذات تأثير قصير المدى، أو ربما ينعدم تأثيرها على الرأي العام، والسياسات العامة، ومن جهة أخرى، فان هناك بعض التقارير الاستقصائية التي تتميز بتأثير طويل الأجل، ومن ثم تؤدي إلى اصلاحات جوهرية، لذا فان طرح العوامل المشتركة في احداث التأثير المطلوب للصحافة الاستقصائية يمكن أن يؤدي إلى زيادة تأثير الصحافة الاستقصائية على الأجندة الاجتماعية، وصانع القرار، والرأي العام،وذلك وفق مجموعة من المحددات تتعلق،بتوقيت النشر ومدى ارتباطه بالجوانب السياسية الأكثر الحاحا مثل الحملات الانتخابية على اختلاف أنواعها، وكذلك مدى التعاون بين الصحافيين وصانعي القرار، والذى يطلق عليه بعض الباحثين مصطلح، تحالف الصحافة، ومستوى اهتمام الرأي العام بالقضية التي تناولتها التقارير الاستقصائي ة، والضغوط الناجمة عن جماعات المصالح، ومدى امكانية الحصول على حلول مكلفة للمشاكل التي تطرقت التقارير الاستقصائية إلى مناقشتها.
العوامل التي تعرقل أداء الصحافة الاستقصائية:

تأثير نمط الملكية على الصحافة الاستقصائية:
هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تعرقل وتحد من قدرة الصحافة الاستقصائية على مواجهة المؤسسات ذات النفوذ الساحق في المجتمع، وأول هذه العوامل يتمثل في قيام ملاك وسائل الإعلام بالتصدي للاستقلالية التي يتمتع بها المحررون، خصوصا عندما تمثل التحقيقات الاستقصائية مصدراً للمخاطر على المصالح الخاصة للملاك.
وخلال القرن الماضي، قام الكثيرون من الكتاب والباحثين بتحليل الكيفية التي تؤثر بها الملكية على صناعة التقارير الاخبارية والمضمون الصحافي، ومنذ فترة مبكرة، أي حوالي عام 1919 كتب أوبتون سنكلير في صحيفة Brass Check قصة استقصائية، تطرقت إلى الأعمال غير المعلنة لهذه المهنة الجديدة «أي الصحافة»، ووجهات النظر الذكية التي قدمها سنكلير عن نمط الملكية والصحافة، لا تزال دقيقة،و مناسبة حتى الآن، اذ يرى أن الملكية تمارس سيطرة خانقة، على ما يفترض أنها صحافة حرة، ويشدد على أن الأنماط التي من خلالها يدعم مالك المؤسسة الصحافية، سطوته على مهنة الصحافة، تتمثل في أربعة أنماط، هي:
• الأول: ملكية الصحف.
• الثاني: نمط الملكية الخاص بمالكي الصحف.
• الثالث: المساعدات الاعلانية.
• الرابع: الرشوة المباشرة.
ومن خلال هذه الأنماط الموجودة في أميركا، يتم فرض السيطرة على الصحافة والتحليلات التي تنشر بها، وذلك بصورة أكثر احكاما عما هو موجود في أية مهنة أخرى في الولايات المتحدة، ومن وجهة نظر سنكلير فان نمط الملكية هذا، يؤثر بصورة عميقة على التغطية الصحافية.
فالزيادات الأخيرة في ملكية الشركات الكبرى لوسائل الإعلام وفي مقدمتها الصحف، والشبكات الاخبارية، قد أدت تلك الملكية إلى تدمير الاستقلالية المطلوبة لكي تمارس الصحافة الدور الاصلاحي والارشادي المنوط بها.
ملاك وسائل الإعلام يؤثرون على حدود ما يعد من تقارير استقصائية، وذلك ليس من خلال التدخل المباشر فقط،وانما من خلال تحديد خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، إذ انهم يحددون نبرة النقد، ويحددون السوق المستهدف، كما يتحكمون في الموازنة التحريرية المخصصة لانجاز المشروعات الاستقصائية وغيرها من الأعباء التحريرية الأخرى، كما أنهم يتعاقدون وينهون التعاقد مع المحررين ورؤساء التحرير وفقاً لأجندتهم الخاصة.
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث