b_100_56_16777215_01_images_image_M5(1).pngبقلم : مكارم المختار

إن قضية المياه مازالت محل صراع بين دول المصب العربية ودول المنابع، وتلك الصراعات تهدد الدول العربية بالوقوع تحت خط الفقر المائي نتيجة لخضوعها لمحاولات الاستحواذ التركية والإسرائيلية، وهو ما يتطلب مزيدا من التعاون العربي وتكوين استراتيجية عربية للمياه. ويدعى ان تركيا ترفض الحديث عن حقوق مياه لجيرانها العرب سوريا والعراق وتعتبر ان كامل مياه النهرين الدوليين دجلة والفرات من حق تركيا وحدها باعتبارها صاحبة المنابع لمعظم التصريف السنوي للنهرين، وتعتقد ان ما تقوم بتخصيصه لجيرانها العرب ليس إلا مكرمة وحسن جوار، بمعنى ان احتمالات وقف تقديم تلك المكرمة وارد في كل وقت بحكم ان تركيا لا تعترف بأية حقوق مائية للسوريين والعراقيين في مياه دجلة والفرات.
كذلك الأمر بالنسبة للمصريين، حيث يجري في الخفاء تحريك دول أعالي حوض النيل وخصوصاً أثيوبيا وغيرها للمطالبة باعادة التحصيص، بمعنى تهديد قائم وصراع مستمر ودائم لمصر وأمنها المائي خصوصاً وأن مياه نهر النيل هي بمثابة شريان الحياة بالنسبة للمصريين. وعلى جبهة ساخنة ثالثة من جبهات الصراع على المياه، تشكل عمليات السيطرة والنهب الإسرائيلي لمياه حوض نهر الأردن والأحواض الجوفية للضفة الغربية للأراضي الفلسطينية دوافع وأسباب قائمة لاندلاع حروب مياه جديدة في المنطقة، في ظل التهديدات الخطيرة التي تواجه الموارد المائية في المنطقة العربية وفي ظل رفض الدول والأطراف المجاورة للعرب الاعتراف بحقوق المياه لأصحابها من الدول العربية المجاورة.
ولعل ما يترافق من مشاكل تسهم في تعميق الازمة هو عدد السكان مدفوعا بالمعدلات وتزايدهم بنسب نمو عالية تزيد عن باقي الأمم على سطح الارض.
فعدد السكان في العالم العربي حوالي 388 مليون نسمة ونسبة النمو اكثر من 3 % ومن غير المتوقع ان تحافظ هذه النسبة على مستواها بل ستزيد مما سيترتب عليه زيادة عدد السكان إلى حوالي 500 مليون نسمة عام 2020.
ويجب ألا ينسى ان نسب الوفيات منخفضة وان معدل متوسط العمر ارتفع إلى حوالي 66 سنة بعد ان كان 45 عام 1960 مما سيسهم في زيادة مضاعفة بعدد السكان في العالم العربي الذي يعتبر من الأمم الناشئة لان نسبة جيل الشباب عالية جداً، وبالتالي فان زيادة السكان تعني زيادة الطلب على الماء، ومن المعروف ان الموارد المائية محدودة جداً وهي في طريقها إلى النضوب.
 ومن العوامل الأخرى التي ستسهم في تفاقم الكارثة، هو عدم الاكتراث الشامل، بكل مستوياته، فالحكومات قد تنفق الكثير من الأموال على شراء أسلحة أو اقامة استثمارات غير موثوقة العائد إلا انها تتجاهل الاستثمار في توفير المياه، أو في البحث عن «مصادر بديلة» للمصادر التقليدية. والمواطن العادي لا يدرك خطورة هذه الازمة طالما انه يرى ان بامكانه ان يشرب ويغتسل وان الماء متوفر في بيته ومكتبه وعمله، وبالتالي فلن يبالي في هدره باستخدامه بشكل غير عقلاني. والمشكلة هنا ثقافة يومية يجب ان تتحمل الحكومات ومؤسساتها مسؤولية اعادة توجيهها للتنبيه إلى خطورة ما سنؤول اليه، وما هو الثمن الذي سيدفعه ابناؤنا لقاء هدرنا لهذه الثروة. المياه والتنمية نقيضان يتهددان بالخطر.
تحديات كبيرة وحقيقية تهدد كل برامج وخطط التنمية المستدامة، وخصوصاً تلك المرتبطة بموارد المياه ومنها السياحة والصناعة والزراعة والبيئة والصحة العامة وغير ذلك، ولن يكون بمقدور بلدان تتعرض لنقص في المياه، تحقيق التنمية المستدامة في حالة استمرار اتساع فجوة العجز الكبير في مصادر المياه، في ظل التهديدات المناخية القائمة والمتزايدة سنة بعد سنة.
الوضع المائي في كثير من الأراضي العربية، حرج للغاية ويتطلب اتخاذ قرارات شجاعة وحاسمة حيث لم يعد من الممكن التأجيل والانتظار، وأصبح الوضع المائي مهدداً بالمزيد من التردي والدمار في مناطق شتى، وكما يشار ويؤكد في العديد من المناسبات بأنه لا حدود للمياه، وان هناك من يتشارك في كامل النظام الأيكولوجي والهيدرولوجي، وبأن بعض التعاون الفني في مجال المياه هو أمر اجباري وليس اختيارياً لطرف وآخر، وبأن الحفاظ على البيئة المائية وحماية مصادر المياه العذبة وتوفير الاحتياجات المائية لكل فرد هي مسؤولية مشتركة وفائدة مشتركة.
وبعيدا عن السياسة والمفاهيم السياسية، وضمن كل الاعتبارات والحقائق العلمية والفنية المرتبطة بالأوضاع المائية في الاراضي العربية، ولطبيعة الشراكة الطبيعية في أحواض ومجاري المياه الجوفية منها والسطحية وفي محيط البيئة المائية، ومنابع ومصبات الانهار والشطآن والخلجان، فان كل المعطيات المرتبطة بتلك الحقائق تلزم الاطراف بالتعاون الفني المشترك المبني على اساس المسؤولية المشتركة والفائدة المشتركة، وعلى احترام كل الاطرف لحقوق الطرف الآخر، معززا بمبدأي حسن النوايا وحسن الجوار. وعلى العرب في اراضيهم، ان يتجاوزوا المعوقات السياسية وان يطالبوا الاطراف المتشاركة واياهم بالمياه ومصادرها، بالشروع في مناقشة قضايا المياه، للوصول بأسرع ما يمكن إلى اتفاق نهائي يتم بموجبه تحديد الحقوق وحصة كل طرف في مصادر المياه والأحواض المائية المشتركة، وبالتوازي مع مناقشة قضايا الحقوق والحصص، تضع الاطراف خطة عمل للتعاون الفني في مجال تطوير مصادر مياه غير تقليدية اضافية للصالح المشترك، منها مشاريع تحلية المياه، على ان يكون الحرص الكامل لدى الاطراف بألا تعوق عملية المحادثات والتفاوض قضايا الحقوق ومسألة التعاون الفني والعمل المشترك لمواجهة مخاطر نقص المياه ومواجهة مخاطر التغييرات المناخية على المدى القريب والبعيد.
 
العرب وأزمة المياه.. حلول عاجلة أم كارثة مدمرة؟
من أهم القضايا المطروحة في المؤتمرات الدولية حول المناخ، التوصل إلى تفاهمات وصيغ قانونية وأدبية ملزمة لجميع دول العالم بهدف التوصل إلى اتفاقية جديدة تحل محل بروتوكول كيوتو حول المناخ والذي سينتهي العمل به في بداية العام المقبل. وخصوصاً الدول الصناعية التي تعتبر المصدر الرئيسي للانبعاثات الغازية الدفيئة وخصوصاً غاز ثاني أكسيد الكربون، بهدف الحد من حجم تلك الغازات ومراعاة مخاطرها على البيئة وطبقة الأوزون، وعلاقتها بالتغيرات المناخية المدمرة، بالاضافة إلى توسيع سبل المساهمة العلمية والمالية في البحث في تطوير مصادر الطاقة البديلة المتجددة.
ويأمل الجميع تحقيق خطوات عملية وملموسة لتدارك اتساع مخاطر ظاهرة التغير المناخي، وتوحيد العمل والجهود في التوصل إلى اتفاقية جديدة ملزمة للجميع، تساعد في تحديد حجم الغازات المنبعثة إلى المستوى المقبول الذي يمكن تجنيب العالم مخاطر الدمار البيئي المرتبط بهذه الظاهرة.
الا ان هذا الأمل مشوب بالتشاؤم والحذر الكبير في ظل المواقف المتحفظة من بعض الدول الغنية والصناعية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية والصين ودول اوروبية وآسيوية أخرى، بسبب مصالحها وسياساتها الاقتصادية والصناعية.
ولهذا ستبقى مخاطر التغيير المناخي تهدد الدول النامية وخصوصاً الفقيرة منها ومن ضمنها بالطبع غالبية الدول العربية التي تواجه بالأساس مشاكل الجفاف ونقص المياه وتردياً متزايداً في النظام البيئي.
وقد شهدت المنطقة العربية خلال السنوات العشر الماضية تغييراً كبيراً في انماط الهطول المطري وتراجعاً كبيراً في معدلاته مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة والمناخ الجاف، وهو ما يعني ان ظاهرة التأثيرات المناخية وصلت إلى المنطقة العربية وهي في تزايد سنة بعد سنة. ورغم ان المنطقة العربية لا تساهم بشكل مؤثر في ظاهرة انبعاث ما يعرف بغازات الدفيئة، إلا ان الدلائل العلمية تشير إلى ان هذه المنطقة غير محمية من الآثار السلبية والضارة للمتغيرات المناخية الناتجة عن هذه الظاهرة البيئية المدمرة، لاسيما ما يخص الموارد المائية العذبة المتجددة والمحدودة اساسا في كل الدول العربية وفي مقدمتها الأراضي الفلسطينية. وتعتبر ظاهرة التغيرات المناخية من اكبر وأخطر القضايا والتحديات البيئية والطبيعية التي اصبحت ابعادها ومخاطرها تشكل تهديدا حقيقيا لكل دول العالم ومن ضمنها دول المنطقة العربية، حيث اصبحت آثار هذه الظاهرة تطال معظم قطاعات التنمية الرئيسية في كل جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والصحية، وهي تحديات كبيرة وخطيرة تضاف إلى التحديات والمشاكل البيئية والاقتصادية القائمة والمتفاقمة التي تواجهها معظم الدول العربية في سعيها إلى تحقيق الأهداف الانمائية المستدامة، والى تحقيق الأمن المائي والأمن الغذائي بالتوازي مع الحفاظ على الشروط الأيكولوجية والبيئية.
وتشمل التأثيرات المناخية اتساع مناطق التصحر والجفاف وتدهور نوعية الأراضي، وتراجعاً كبيراً في الانتاج الزراعي، قد يصل إلى 60 % بالتوازي مع تغيير كبير في انماط ومعدلات الهطول المطري قد يتجاوز النصف في بداية عام 2020، الأمر الذي يهدد الأمن المائي والغذائي، ويزيد إلى حد كبير في تفاقم حدة ازمات ومشاكل نقص المياه القائمة، التي تواجه العديد من دول المنطقة العربية، وقد تصل الأمور إلى أزمات عطش ومجاعة في عدة دول عربية، خصوصاً الدول التي تعتمد بشكل كبير على الانتاج الزراعي.
ان أهم المساعي لقادة العالم الذين شاركوا في قمة الأرض التي عقدت في البرازيل عام 2011 هو حث جميع دول العالم من اجل تحقيق التنمية المستدامة، من خلال التعاون والعمل المشترك في مواجهة التهديدات الناشئة عن ظاهرة التغيرات المناخية والتلوث الناتج عن النشاطات الصناعية المتزايدة، للوصول إلى ما سمي بالاقتصاد الأخضر أي الاقتصاد غير المرتبط بالتلوث البيئي، والقضاء على الفقر وتعزيز الأطر المؤسسية المستدامة. حقائق هامة:
المنطقة والمياه
ـ تواجه المنطقة العربية أسوأ معدل لندرة المياه في العالم – فمن المتوقع أن يقع نحو 100 مليون نسمة تحت خط الاجهاد المائي بحلول عام 2050؛ فهناك مناطق ستكون المدن الأولى التي تنفد منها المياه، وعلى سبيل المثال، اليمن - صنعاء.
ـ من المتوقع أن تسجل البلدان العربية زيادة في درجات الحرارة بما لا يقل عن درجتين مئويتين خلال فترة تتراوح بين 15 و20 عاما، وأكثر من أربع درجات بحلول عام 2100، ومن المحتمل أن تزيد الحرارة عن ذلك.
ـ تواجه المنطقة مخاطر متمثلة في زيادة السيول وموجات الجفاف والانهيارات الأرضية. علاوة على ذلك، ستؤدي الزيادة في درجات الحرارة إلى تفاقم المخاطر المرتبطة بالمناخ. مساعدة فنية ضخمة، وتقديم موارد للحكومات في مجال وضع السياسات. نتيجة اعتمادها على الزراعة البعلية، قد ينخفض الانتاج الزراعي في المنطقة إلى ما بين 20 و40 ٪ بحلول عام 2080 مع تراجع معدلات هطول الأمطار.
ـ تشهد الأمراض المنقولة عن طريق المياه والحشرات زيادة مع ارتفاع درجات الحرارة. تشكل مسألتا النزوح والهجرة أهمية متزايدة الآن وذلك بسبب تغير المناخ.
ما الحل؟
يقول خبراء انه لابد من خلق ثقافة لتكون جزءا من يوميات الإنسان العربي تسهم في تطويرها المدارس والجامعات والبلديات والمراكز الاجتماعية وغيرها ليصبح الاقتصاد في استخدام المياه عادة اجتماعية تدفع إلى احترام الاشخاص الذين يوفرون في استخدام واستهلاك الماء من جهة، وعدم تقبل الذين يهدرون الماء والعمل على ايقافهم عند حدهم من جهة أخرى. كما أنه من الضروري أن تقوم الحكومات العربية بإعادة النظر في طرق استخدام المياه، خصوصاً في الزراعة التي تستهلك حوالي 87 ٪ من المياه العذبة المتاحة؛ وذلك بغية ترشيد الاستعمالات، والحد من الهدر والتصحر والملوحة، ومن التلوث الذى يصل في بعض الحالات إلى حوالى 50 ٪.
ولابد ان تسعى الدول العربية إلى تطوير وسائل الري الزراعية لاستخدام تقنيات توفر هدر الماء في اساليب الري التقليدية بتبني وسائل الري بالتنقيط والرذاذ، والامتناع عن الزراعات التي تستهلك كميات كبيرة من الماء اذا امكن توفيرها من خلال الاستيراد.
بعد النظر إلى سلم ومصفوفة الاولويات، أي معرفة ما اذا كانت تكلفة استخدام الماء لانتاج ذلك المحصول الزراعي اكبر من استيراده ام العكس؟ وهل الأهمية الاستراتيجية لهذا المحصول تستحق التضحية بالمياه المستهلكة لانتاجه؟ بناء على الجواب ربما يكون مفيدا اتخاذ قرارات بعدم زراعة بعض المحاصيل. ولاسيما ان استيراد بعض المحاصيل خير من استيراد المياه وادي النمو الاقتصادي وتحسين الحالة المعيشية إلى زيادة استعمال المياه وحتى الافراط في استعمالها وانعكس تأثيرها أكثر في 70 % من المناطق التي تعاني من مشاكل المياه. وتستعمل في الدول المتحضرة حوالي 70 % من المياه في مجال الزراعة وحوالي 20 % للصناعة وحوالي 10 % للحياة المنزلية، بينما تستعمل المياه في دول الشرق الاوسط مابين 85 % والى اكثر من 95 % للزراعة من مجموع المياه الموجودة والباقي منها ما بين 5 % 15 % تستعمل لأغراض الصناعة والحياة المنزلية.
ويقول خبراء انه لا بد من الاسراع في اقامة محطات لتحلية مياه البحر والمياه غير العذبة لاستخدامها في قطاعات الزراعة والصناعة على الاقل، بدلا من هدر الموارد المائية العذبة. ولا بد أيضا من الاسراع في اقامة محطات تعتمد الطاقة النووية لتحلية المياه نظراً لرخص استخدامها على المدى الطويل ولاستقرار هذا المصدر للموارد المائية بشكل عام.
وقدرت كلفة مشاريع التحلية من عام 2000 ولغاية 2010  بحوالي 11 مليار دولار على الأقل؛ حيث تبلغ في السعودية 2.4 مليار دولار، وفي الامارات بنحو 2.3 مليار، فيما تتوزع المشاريع الباقية على كل من البحرين ومصر والكويت وعمان وقطر.
ويدفع التفاقم المتسارع لمشكلة نقص المياه إلى الاسراع بتبني استراتيجية وطنية تراعي معطيات هذه الازمة وتبحث سبل حلها من خلال اقامة مراكز للأبحاث ومعاهد وكليات جامعية لدراستها والتنبؤ بمستقبل الاحتياطات المائية من خلال أبحاث ميدانية تتبنى حلولا ومقترحات تتناسب وحال كل دولة عربية على حدة، وتستشرف مستقبل الموارد المائية في حال تم استخدام الوسائل الحديثة التي تبنتها الدول المتقدمة.
والضرورة تتطلب ان ينظر بإمعان لبرامج استخدام وتقنين المياه في الدول الاوروبية التي تتعامل مع قضايا المياه بحذر بالرغم من كونها تعتبر من الدول الغنية بالموارد المائية إلا انها مع ذلك تعقد المؤتمرات والندوات الدولية لمناقشة المخاطر الناجمة عن نقص المياه، وما هي المقترحات والبدائل المتاحة لمعالجتها؟ وكيف يمكن استخدام موارد مائية في دول اخرى؟ وهل من الضروري عقد اتفاقات من الآن بخصوص توفير هذه الثروة المائية؟ ومتى؟ واين؟ ومن الواضح ان الدول ذات المياه الغزيرة تولي اهتماما كبيرا بالموارد المائية، وهي أقل حاجة لها، بينما لم يبدر الكثير من الاهتمام من الدول الفقرة بالموارد المائية بالرغم من انها تقف على اعتاب كارثة تصحر.
وربما تراهن بعض الحكومات العربية على ما لديها من ثروات، إلا ان اتجاه هذه الثروات المحتوم نحو النضوب يضاعف أهمية المياه ويجعل أهميتها الاستراتيجية أكثر خطورة بما لا يقاس مع أي خطر استراتيجي آخر.
وقد تجعلنا الحاجة إلى المياه من بين افقر الدول في العالم، لنكون «صومال» واسعة تنتظر المساعدات. وكل المؤشرات تقول: اذا لم نتحرك الآن ونغير هذه المعطيات فان كارثة الجفاف والعطش القاتل لا محال مقبلة.
مما تقدم، نرى أن العرب امام تحديات حقيقية كبيرة تتطلب بل تفرض اعتماد توجهات وسياسات جديدة تحسبا لكل الاحتمالات وخصوصاً الاحتمالات الأسوأ، على اعتبار ان الدول الصناعية لن تحترم ولن تلتزم بأية اتفاقيات تتعلق بتخفيض نشاطاتها الصناعية التي تشكل مصدرا للانبعاثات الغازية، لأن ذلك سيلحق بها ضررا اقتصاديا ليس باليسير، بمعنى ان مخاطر التغيير المناخي مستمرة ومتزايدة، وعلى الدول العربية ان تسرِع في إجراء الدراسات والبحوث العلمية الدقيقة حول الآثار المترتبة عن ظاهرة التغير المناخي في كل الجوانب وخصوصاً ما يخص الموارد المائية والجفاف والتصحر والأعاصير وارتفاع درجات الحرارة وغير ذلك، كما ان على الدول العربية ان تعيد النظر في سياساتها واستراتيجياتها المتعلقة بقطاع الموارد المائية، ضمن مفاهيم جديدة تقوم على اعتبارات المقاييس العلمية لطبيعة وأبعاد ظاهرة التغير المناخي، واعتماد التكامل في التخطيط الشامل البعيد المدى مع الادارة المثلى والحكيمة وبناء القدرات المؤسسية المتطورة في مواجهة التحديات الخطيرة التي وصلت آثارها إلى المنطقة العربية واصبحت تدق ناقوس الخطر الكبير الجفاف والعطش والمجاعة.
التحدي في:
سياسة انمائية جيدة من أجل سياسة مناخية جيدة
يعد تغير المناخ التحدي الأكبر الذي يحدد معالم عصرنا الحالي؛ إذ تهدد التقلبات والتغيرات المناخية، التي تزيد عن كونها مجرد قضية بيئية، بوقف ما تم احرازه حديثا من تقدم في مجال الحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي.
حول هذا الأمر، يقوم المنسقون المعنيون بتغير المناخ في مكتب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي، بوضع مؤشر لسياسة حل جديدة لمناخ جيد، كي تصبح أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية سياسة دائمة وقابلة للاستمرار، بوجوب أن تتعرض في البداية لتغير المناخ، سواء من حيث التكيف مع تغير المناخ أو تخفيف الانبعاثات الدفيئة. «فالتدهور البيئي في مختلف أنحاء العالم العربي، يؤثر على الموارد المائية والأراضي الزراعية والمراعي والمصايد السمكية والحياة البرية، في حين تمسّ الآثار الاجتماعية الأمن الغذائي وسبل كسب العيش والمستوى الصحي والموطن الطبيعي للحيوان والنبات. وقد ينتج عن هذا الضغط المتزايد على هذه العوامل آثار اضافية، مثل الصراعات والهجرة وزيادة مستويات الفقر والظلم. ولذلك، يمثل تغير المناخ تهديدا للتنمية الاقتصادية في بلدان العالم العربي، وان لم يتم التصدي له فان معاناة الفقراء ستزداد.
وبين التحدي والسياسة الجديدة لمناخ جيد، ومجالات البنك الدولي في المساعدة، يؤشر التالي: سيزيد ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات هطول الأمطار المتوقعة في المنطقة من تكرار موجات الجفاف.
قد يؤثر ارتفاع منسوب مياه البحر على 43 مدينة ساحلية 24 منها في الشرق الأوسط و19 في شمال أفريقيا.
هناك ثلاثة مجالات يستطيع البنك الدولي أن يساعد فيها بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على معالجة قضايا تغير المناخ وهي:
ـ 2 أكتوبر  2008 -- منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم عرضة لمخاطر تغير المناخ، وذلك بسبب ندرة المياه فيها «أعلى معدلات الندرة في العالم»، واعتمادها الكبير على الزراعة الشديدة التأثر بالمناخ وارتفاع نسبة السكان والأنشطة الاقتصادية التي تتمركز في المناطق الحضرية الساحلية المعرضة للفيضانات.
ـ ويذهب أحدث تقييم للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أنه من المتوقع أن يصبح المناخ أكثر حرارة وجفافا في معظم أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وسيؤدي ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات هطول الأمطار إلى زيادة تكرار موجات الجفاف وحدتها، وهو أثر يتحقق بالفعل في منطقة المغرب العربي.
ـ وتثير ظاهرة تغير المناخ أيضا الكثير من التحديات أمام مدن المنطقة التي تشكل مراكز للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وقد يؤثر ارتفاع منسوب مياه البحر على كثير من المدن الساحلية للمنطقة، وخصوصاً في الأماكن المنخفضة في مصر وتونس.
ـ وتتنامى المخاوف في مصر بشكل خاص بشأن التأثير المحتمل لزيادة منسوب مياه البحر على دلتا النيل. وتذهب التقديرات إلى أن ارتفاع منسوب البحر 50 سنتيمترا أمام سواحل الدلتا قد يؤدي إلى تشريد أكثر من مليوني شخص، واغراق 1800 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية، واحداث أضرار تقدر قيمتها بنحو 35 مليار دولار في شكل ضياع الأراضي والممتلكات والبنية التحتية. وبالاضافة إلى ذلك، فان مرافق البنية التحتية الاستراتيجية لتخزين المياه مثل بحيرة ناصر من المحتمل أن تتعرض لزيادة معدلات التبخر واشتداد خطر تكرار الفيضانات.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث