b_100_75_16777215_01_images_image_M5(2).pngبقلم: أحمد بن محارب الظفيري

في خريف العام 1929 هطلت أمطار غزيرة على الكويت واستبشر الناس خيراً بهذه الأمطار الوسمية وتواصلت الأمطار حتى الشتاء وفي الشتاء ظهرت أعمدة كثيفة طويلة من الجراد يصل طول العمود إلى خمسة عشر كيلومتراً وعرضه كيلومتران «سرب الجراد يسمى للهجة المحلية وباللغة الفصحى أيضاً بالعمود». ومازال شيبان البادية والحاضرة في الكويت وفي شبه جزيرة العرب الذين على قيد الحياة يتذكرون أمطار العام 1929م وأسراب جرادها الهائلة التي أثرت على فرصتهم بأمطار تلك السنة.
ولقد ذكرت السيدة دام فيوليت ديكسون زوجة المعتمد البريطاني في الكويت ديكسون في كتابها «أربعون عاماً في الكويت» بخصوص جراد هذه السنة: «وقد كانت تلك أول تجربة لي مع هذه الكائنات وهي تجربة لن أنساها ولقد رأيت السماء تحجبها أسراب الجراد الطائر وقد أختفت الشمس وكأنها قد كسفت تقريباً».
نعم ان أعمدة «أسراب» الجراد في هذه السنة حجبت ضوء الشمس عن الأرض وأحالت النهار إلى ظلام. وهذه الأسراب الهائلة من الجراد في تقدمها من الشرق إلى الخليج العربي تلتهم في طريقها كل ورقة خضراء بلا تمييز ويحاول المزارعون ايقاف زحف الجراد والدفاع عن مزارعهم ولكن معظم محاولاتهم تفشل أمام اصرار الجراد وزحفه المتواصل بأعداده الهائلة.
يقول عرب الجزيرة بادية وحاضرة في كلماتهم المأثورة عن الجراد «اذا جاء الجراد كُبّ الدواء واذا جاء الفقع «الكمأ» صر الدواء».
فالجراد طعام جيد وصحي ومذاقه ممتاز ولا يسبب أي مرض للجسم وبالتالي فان الانسان لا يحتاج إلى حفظ الدواء وصره في محفظة خاصة وانما الواجب عليه أن يسكبه وينثره على الأرض فالجراد هو الدواء والعلاج لانه يتغذى على الأعشاب والنباتات البرية المفيدة للجسم وعلى العكس من الجراد اذا «ظهر» الفقع «الكلمة فصيحة تعني الكمأ» فيجب على الانسان أن يصر «يحفظ» الدواء بصرة مخصوصة لأن الاكثار من أكل الكمأ يسبب عسر الهضم وتلبك المعدة وبعض الأمراض وبالتالي فان الانسان سوف يحتاج إلى تناول الدواء بسبب اكثاره من أكل «الكمأ» يسميه عرب الجزيرة الفقع».
طبخ الجراد وتجفيفه وأكله
 
أكل الجراد محلل شرعاً جاء في الحديث الشريف: «أحلت لنا ميتتان ميتة الجراد وميتة السمك».
الجراد كما قلنا يؤكل برغبة وشهية وتطبخه العوائل بقدور كبيرة يوضع فيها الماء وقليل من الملح تنصب على النار وعندما يغلي الماء تفرغ فيها أكياس الجراد وعندما ينضج الجراد تنزل هذه القدور من على النار ويؤكل الجراد وتجفف كميات كبيرة من هذا الجراد المطبوخ وتحفظ في أوان وأكياس خاصة لتؤكل كغذاء متوفر على طول السنة ويقدم لافراد الأسرة كوجبات سريعة جاهزة عند الطلب فتجد الاولاد يملأون مخابيهم «مخابئ الثياب أي جيوبها» بالجراد المطبوخ المجفف ليقضمونه طعاما شهيا وهم بالمدرسة أو يلعبون أو يسرحون مع حلالهم «ابلهم ومواشيهم» وفي سنين الدهر «المحل والجدب» يطعم البدوي ابله وخيله الجراد فتسمن عليه فهو من هذه الناحية نقمة ونعمة فهو أي الجراد يأكل اعشاب مراعيهم وهم وحيواناتهم يأكلونه ليعوضوا ما فقدوه من قلة المرعى بسببه.

بيع الجراد
وفي مواسم الجراد يجلب البدو اعدادا كبيرة من الأكياس «العدول والخياش» مملؤة بالجراد ليبيعوها في سوق الصفاة بالكويت وفي السوق تجد بعض الجراد يتطاير من هذه الأكياس وأولاد الديرة الذين يلعبون حول سوق الصفاة يلتقطون هذا الجراد المنفلت المتطاير ويجمعونه في أكياس صغيرة يحلمونها معهم.

مشاهدات الرحالة السويسري
والرحالة السويسري الذي تجول في بوادي العرب جون لويس بوركهارت المتوفى في 15 اكتوبر 1817م والذي يدعي بأنه اسلم وتسمى باسم ابراهيم بن عبدالله الشامي ذكر في كتابه: «ملاحظات حول البدو والوهابيين» عن الجراد ما يأتي يقول بوركهارت ¯ بتصرف بسيط: «منذ العام 1811م اغار الجراد على مدن وقرى شبه الجزيرة العربية والتهم المزروعات ونفذت أسراب الجراد إلى المساكن الخاصة وخربت حتى جلود قرب الماء وتأتي اسرابه الهائلة من الشرق كل أربع أو خمس سنوات وأعتاد أهل نجد والحجاز وكل البدو في الجزيرة العربية أكل الجراد ولقد شاهدت في المدينة والطائف حوانيت لبيع الجراد ويملأ البدو أكياس من الجراد ويأكله البعض مقليا في الزبد واحيانا يستخدمونه على الافطار مع الخبز غير المخمر المغموس في الزبد».

أطفال أم سعود البريطانية يأكلون الجراد
تقول السيدة أم سعود فيوليت ديكسون»ت 4 يناير1991  زوجة المعتمد البريطاني في الكويت هارولد ريتشارد باتريك ديكسون harold eichaard patrick dickson في كتابها «أربعون عاما في الكويت من 1929 إلى 1969  عن الجراد ما يلي: «كان العرب يأكلون الجراد وعندما كانت أسراب الجراد تتساقط في شوارع الكويت شارك الأطفال في جمعها وقد أثار الجراد طفلي «سعود وزهرة» اللذين شاركا الجميع في التقاط بعض منه لأكله وقد استمتعا بمذاق الجراد ولم يترددا في أكل الطعام غير المألوف».
وتسمى أنثى الجراد عند أهل البادية»دمونة» وجمعها»دمون» وعند أهل الحاضرة»مكنه» وجمعها»مكن» ولونها بني وهي سمينة وفي بطنها البيض مذاقها ممتاز وطعامها شهي بسبب البيض الذي في بطنها أما الذكر فهو أصفر وأنحف من الأنثى ولونه أصفر ويسمى عند أهل البداية «زعيري» وعند أهل الحاضرة»عصفور» أخذ هذا الاسم بسبب لونه الأصفر الذي يشبه لون طير العصفور»وفي اللغة لون العصفر والأصفر متشابهان».

بيض الجراد
وتحفر الجرادة الانثى حفرة عمقها 10 سم تحفرها في أرض رطبة وتضع مؤخرتها داخل هذه الحفرة لتبيض فيها حيث يخرج من بطنها جراب البيض المحتوي على 100 بيضة تقريباً ويندفن هذا الجراب داخل هذه الحفرة الضيقة ثم تترك الجرادة بيضها وتطير وبعد 20 يوما تقريبا يفقس البيض داخل الحفرة وتخرج منه الحوريات وتسمى هذه الحوريات بالعربية الفصحى حسب تسلسل أطوارها كالآتي: حين الفقس تسمى «سروة» ثم «دبى أو دبا» ثم «غوغاء» ثم «خيفان» ثم «كتفان» ثم»جراد» وصغار الجراد لا تؤكل والذي يؤكل هو الجراد فقط.
وأخطر صغار الجراد على الاطلاق هو»الدبى أو الدبا» الزحاف الذي يزحف بأعداد هائلة جداً على شكل بساط أسود ممدود متموج قد يصل طول هذا البساط إلى 6 كيلومترات وعرضه حوالي 3 كيلو مترات وكل»دباة» تزحف بمحاذاة «الدباة» التي بجوارها كتفا بكتف وهذا الدبا الزاحف يلتهم كل نبتة أو ورقة خضراء يجدها أمامه.
في ربيع سنة 1930 ظهر»الدبا» بأعداد هائلة جداً وصلت إلى مزارع الكويت فأكلت المزروعات وتركت الأشجار الكبيرة كالنخيل وغيرها جرداء من كل ورقة خضراء بحيث أصبحت هذه الاشجار تبدو للرائي وكأنها تعرضت لحريق هائل.
ووصلت مجاميع الدبا الزاحفة إلى البيوت والى الغرف الداخلية في كل بيت وسببت الكثير من التلف لأغراض ومحتويات المنازل كالملابس والطعام والأثاث.
وكان الناس يكافحون هذا الدبا الزاحف على مزارعهم بطرق بدائية مثل حفر الخنادق حول المزارع التي تمتلئ فيما بعد بأعداد هائلة من الدبا أو بضرب الصفائح المعدنية لتخرج أصواتا يطرد الدبا عن مزارعهم وبعضهم غطى مزرعته بألواح الصفيح الأملس أو بأوراق القصدير الملساء والقصد من وضع هذه الصفائح الملساء هو جعل الدبا ينزلق عندما يصعد عليها بحيث يسقط داخل الخندق المحفور حول المزرعة فيسهل القضاء عليه.
وكان المزارعون يشترون هذه المواد التي يستعملونها لحماية مزارعهم من مدينة الكويت.

مشاهدات المعتمد البريطاني
ويذكر المعتمد البريطاني في الكويت هارولد ريتشارد باتريك ديكسون المتوفى في الكويت سنة 1959م عن الجراد والدبى ما يلي بتصرف بسيط: «تميز ربيع وخريف العام 1929م بفخامة وكثرة أسراب الجراد التي اكتسحت الساحل الشمالي الشرقي للجزيرة العربية وقد سببت هذه الاسراب أضراراً كبيرة للرعي وبخاصة في الجزء الجنوبي الغربي من الكويت وتميز ربيع 1930م بظهور «الدبى» واضطر سكان مدينة الكويت للدخول في حرب حقيقية معه لانقاذ ما يمكن انقاذه من ممتلكاتهم».

الجراد في تراث عرب الجزيرة العربية
يؤرخ أهل نجد والكويت وعربان البوادي تاريخ السنين مما يقع فيها من حوادث وأمور مهمة فمثلا يقول لك احدهم: «أنا ولدت في سنة «جرادان» ويقصد انه ولد بسنة الجراد العظيم». ويعدون السنين بالحوادث التي وقعت فيها وبقطنات القلبان «جمع قليب أي الابار» فمثلا عندما يعد الأب عمر ولده يعده هكذا: ولد ابني في سنة الجراد وفي السنة التي بعدها قطنا «القطن بالصيف» على القلبان الفلانية وفي السنة التي بعد قطنتنا جاءنا الدبى العظيم «سنة الدبى» وبعدها جاءتنا سنة الربيع الطيب التي كثر فيها الفقع «الكمأ» وبعد سنة الربيع جاءت سنة الدهر «سنة المحل والجدب» وفي السنة التي بعدها مات الشيخ عبدالله «سنة موته الشيخ عبدالله» وهكذا يستمر بسرد السنين ليعد عمر ولده. وعادة التاريخ بحوادث السنين حلوها ومرها عادة جارية ومتبعة عند كل قبائل العربان قديماً وحديثاً منذ العهد الجاهلي والى العهد العثماني.
سمي الجراد جراداً لأنه يجرد الارض من النبات يقال: جردت الارض فهي مجرودة اذا اكل الجراد نبتها ويقال: جرد الزرع: اصابه الجراد فهو مجرود والجراد: هو اسم للجنس يقع على الذكر والانثى مفرد الجراد «جرادة» ايضاً يقع على الذكر والانثى مثل البقر مفردها بقرة والتمر مفردها تمرة والحمام مفردها حمامة. يشبه العرب فخذي الجرادة بفخذي البعير وساقاها بساقي النعامة وجناحيها بجناحي النسر ووجهها بوجه الفرس وعينيها بعيني الفيل وعنقها بعنق الثور وقرنيها بقرني الآيل وصدرها بصدر الأسد وبطنها ببطن العقرب وذنبها بذنب الحية. الغوغاء: اسم صغار الجراد في الطور الثالث من عمرها «بعد طور الدبى الزاحف» وصغار الجراد «أولاد الجراد» الذي نسميهم بـ«الغوغاء» يخفون للطيران في هذه المرحلة من العمر- أي يبدأون بالطيران ومن «غوغاء الجراد» استخدمنا كلمة «الغوغاء من الناس» ونقصد بهم المتسرعين إلى الشر ومثيري الفتن والقلاقل والمشكلات. الخيفان: هو اسم يطلق على صغار الجراد «أبناء الجراد» عندما تصل إلى الطور الرابع من عمرها والجراد الخيفان: هو الجراد الذي اختلفت فيه الألوان وهو في هذه المرحلة أطير ما يكون والجرادة الواحدة خيفانة- وتشبه العرب الناقة والفرس السريعة بـ«الخيفانة» وهذا فارس العرب عنترة بن شداد العبسي «توفي نحو 22 ق هـ/2600» يشبه فرسه لخفتها وضمورها بالخيفانة: فغدون تحمل يشكتي «خيفانة» مرط الجراد لها تميم اتلع والعرب عموماً تشبه الخيل بالخيفان قال أمرؤ القيس حندج بن حجر «توفى نحو 80 ق هـ /545م». وأركب في الروع خيفانة لها ذنب خلفها مسبطر وذكر هذا البيت بصيغة أخرى وأركب في الروع خيفانة كسا وجهها سعف منتشر الكُتفان والكِتفان: هو اسم يطلق على صغار الجراد في الطور الخامس من عمرها بعد هذا الطور يصبح الكتفان جراداً كاملاً والكتفان من الجراد هي التي ظهرت اجنحتها وتكاملت اجسامها ولما تطير بعد فهي تنقز في الارض نقزاناً مثل المكتوف «الذي شدت يديه من خلف» الذي لايستعين بيديه اذا مشى وواحد الكتفان «كاتف» و«كاتفه» للانثى. قال صخر أخو الخنساء: وحي حريد قد صبحت بغارة كرجل الجراد أدبى كتفان وهذا شاعر شعبي يمدح جماعته قائلاً اننا نزمي «نتسامى بالارتفاع للرائي» مثلما تزمي «ترتفع» شخانيب «فروع» جبل سنجار وانه وجماعته ايضا مثل الدبى الكتفان تدوس الزبارة «الكومة المرتفعة». اما البيت الثاني فهو واضح لا يحتاج إلى شرح. يقول الشاعر: نزمي كما تزمي شخانيب سنجار مثل الدبا الكتفان ناطى الزباره وحنا هل الجمع المسبل ليا سار وعدونا لازم يذوق المراره فلان مثل غباش الجراد أو مثل صياد الجراد مثل يضرب بالمرء الذي يقدم على عمل او على امر مجهول لا يعرف شره وخيره ربحه وخسارته من هذا العمل فهو مثل غباش الجراد. جرت العادة ان يخرج الناس في الغبش «اي في الفجر» لصيد الجراد حيث يكون الجراد مقروراً «برداناً» ونائما على الاشجار والشجيرات والحشائش فيجمعونه من على شجره وشجيراته وبعضهم يقلع «يشلع» الشجيرة من منبتها ويفرغ الجراد الذي عليها في العدل «كيس منسوج من الوبر او الصوف - وجمعه عدول». وصائد الجراد او جامع الجراد لا يأمن ان تنهشه حية او يلدغه عقرب نائم تحت هذه الاشجار والشجيرات. مثل الجراد التهامي يضرب بكثرة العدد. يقول احدهم: «جاءوا الينا قوم مثل الجراد التهامي». يظن البدو ان الجراد يأتي من صوب سهل تهامة وهو السهل الشهير الموجود في المملكة العربية السعودية والذي يمتد على الساحل الشرقي للبحر الاحمر. والحقيقة ان الجراد يصل إلى هذا السهل قادما من افريقيا ويتكاثر فيه وكذلك يقولون للدلالة على الكثيرة: «جاءوا الينا قوم مثل عمود الجراد». وقد يبلغ عدد الجراد في عمود «سرب» الجراد اكثر من الف مليون جرادة تغطي مساحة تبلغ في المتوسط 20 كيلومتراً مربعاً وغالبا ما يكون طيران الجراد في النهار اما في الليل فينام على الاشجار والاعشاب. والعجيب اللافت للنظر انني قرأت بحثاً علمياً يقول ان سبب هجرة الجراد هو قلة الهرمونات الجنسية في دمها اما اذا زادت هذه الهرمونات فانها لا تهاجر.
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث