b_75_100_16777215_01_images_image_M6(1).pngصدر في العاصمة النمساوية فينا العام 1953 كتاب للرحالة النمساوي ماكس رايش Max Reisch بعنوان «بالسيارة إلى الكويت - رحلة إلى الدول العربية» وهو من الكتب النادرة القيمة عن الرحالة النمساوي لمنطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية.
يحتوي الكتاب على صور تاريخية نادرة جدا للمرحومين الشيخ عبد الله السالم الصباح والشيخ فهد السالم الصباح والأمير الوصي عبد الاله والزعيم اللبناني الشيشكلي وصور أخرى عن نهضة الكويت العمرانية والحضارية والبدء ببناء جامعة الكويت والأحياء التابعة لها وغيرها من المشاريع العمرانية وافتتاح ميناء الأحمدي برعاية المرحوم الشيخ عبد الله السالم الصباح.
يتحدث الرحالة بالتفاصيل عن التطور العمراني والحضاري الذي حدث بالكويت بحيث أصبحت دولة لها وزنها ودورها الفعال في المجتمع الدولي. لذا اقترح على وزارة الاعلام الكويتية أو مركز الدراسات والبحوث الكويتية أن يترجموا هذ الكتاب على الأقل القسم الخاص بتاريخ الكويت ونشأته وبناء ميناء الأحمدي والجامعة والمستشفيات والمعاهد العلمية وغيرها من المشاريع العمرانية.
يقول ماكس رايش: وهكذا بدأت الرحلة على ظهر سفينة اسبيريا Esperia من ميناء جنوا بتاريخ 23 فبراير عام 1952 حيث شحنا سيارة البعثة مع حقائبنا الكثيرة على ظهر هذه الباخرة القريبة من مقصورتنا. وباركت سيارتنا ومنحتها اسم شرف عربيا بـ «صديقي» التي قطعت مسافة عشرة آلاف كيلومترا في رحلتنا إلى الدول العربية. وكانت سلطنة «كما يذكر» كويت هي أبعد هدف لهذه الرحلة.
كانت الأوضاع السياسية مضطربة في المنطقة حيث أزيح ملك مصر وحتى في لبنان الهادئ انتفض ثواره وأرغموا الرئيس الشيشكلي على مغادرة البلاد في غضون 24 ساعة. وفي ايران ألقى الدكتور مصدق قنبلة زمنية لازعاج الدول العربية. كان الدكتور وطبيب الأسنان ومصور الرحلة رولف هكرDr. Rolf Hecker من مدينة ايرلانجن رفيقي طيلة هذه الرحلة إلى البلدان العربية.
وقبل ظهر 28 فبراير وصلنا الساحل اللبناني. ورست سفینتنا على ميناء بیروت وأول شخصية استقبلتنا كان مدير نادي سيارات لبنان. ثم أنهينا معاملة سيارتنا «صديقي» من الجمارك وذهبنا إلى فندق سان جورج Hotel Saint Georg الذي حصلنا على اسمه وعنوانه من النادي الدولي للسيارات .
بدأت رحلة ماكس رايش الفعلية من الأردن وتحدث عن المعاملات السلبية التي واجهها في فندق فيلادلفيا قبيل أن يحصل على الفيزتين السعودية والعراقية قائلا:
«وجب علينا الانتظار لفترة طويلة. كان مزاجنا قد وصل على نقطة الصفر عندما طلب منا مدير الفندق فيلادلفيا أن نخلي ونسلم مفاتيح الغرفة لأن سيدة اميركية مليونيرة وابنتها تريدان الحج في القدس وبيت لحم». ثم يقول: «من الغريب أن يعتبر كل أميركي مليونيرا في الشرق الأوسط».و بدأنا نحضر انتقالنا من فندق فيلادلفيا إلى فندق عمان ربما يكون هذا الفندق أفضل من فيلادلفيا. ويقول سألت مدير فندق فيلادلفيا عما اذا كانت فعلا السيدة الأميركية وابنتها ستصلان الليلة إلى الفندق أو ربما هناك امكانية أخرى تساعدنا على البقاء في هذا الفندق. وفي أثناء حديثنا رن الهاتف هرع مدير الفندق إلى المقصورة أو الكابينة رقم واحد ورفع سماعة الهاتف ثم التفت الي قائلا تعال هذا النداء لك. سمعت صوت صديقي الياس كتانة وأخبرني أن جوازات السفر جاهزة وقلت له سنأتي إلى مكتبك الآن.

تأشيرة دخول
فرح الفروشي واحمر وجهه ثم جاء ألياس حاملا الجوازين بيديه وقال الآن وصلا بالطائرة. وقد رتب ذلك ألفرد كتانة Alfred Kettanah الحصول على فيزا سعودية لمدة سبعة أيام يحق لماكس أن يسوق سيارته على طول أنابيب النفط التاب لاين TAP-Line باتجاه الكويت. والآن بقت «الفيزا» العراقية يجب الحصول عليها لأني خططت العودة من الكويت مارا بالعراق وسوريا. ان اسم كتانة صنع المعجزة بالنسبة لنا لأن كتانة كان صديق القنصل العراقي في عمان الذي كان يسكن أيضا في فندق فلادلفيا. حدث بيني وبين القنصل العراقي عندما كنت في فندق فلادلفيا نقاش حاد اختلفنا في وجهات النظر وكل واحد منا أصر على صحة رأيه.
قلت للصديق الياس أرجوك أن تأتي معنا إلى القنصل العراقي ليمنحنا تأشيرة الدخول الفيزا إلى العراق. وفعلا ذهبنا نحن الثلاثة وفوجئ القنصل لما رآني. وشاهدت بأن علامات الغضب والانفعال كانت بادية على محياه عندما رآني. لكن الصديق الياس قدمنا بلطف اليه بأني مهندس نمساوي وصديقي الدكتور الألماني من أصدقاء العرب والعراق. ومدحنا كثيرا أمام القنصل العراقي. ثم وجه القنصل العراقي الينا أسئلة كأنه يحقق معنا هل أنتما شيوعيان؟ وهل خدمتما على الجبهة الروسية ضد الألمان؟ وهل كنتما بعد عام 1945 في المنطقة الشرقية الألمانية؟ فأجبنا بلا. اقتنع القنصل العراقي بأقوالنا بأنا لسنا شيوعيان ولم نخدم في الجانب الروسي ولم نعش في المنطقة الشرقية.
ثم منحنا تأشيرة الدخول إلى العراق. طرت من الفرح واخذنا الجوازين وشكرنا القنصل العراقي وخرجنا إلى عمان وقد ساعدني فائق بشارات لشراء باقة من الورد من احد حوانيت عمان لبيع الزهور لكي أهديها إلى زوجة كتانة. واتجهنا إلى فندق فيلادلفيا لأخذ حقائبنا وقلت لمدير الفندق تستطيع الليلة أن تعطي غرفتنا إلى الأميركية المليونيرة وابنتها. وقدنا سيارتنا باتجاه بوابة الخارجية لعمان. توقفنا هناك واشتريت عثك موز طوله مترا وبعض الفواكه الأخرى واتجهنا على شارع معبد باتجاه المفرق. ومن المفرق اتجهنا بالاتجاه الشرقي نحو قطعة مرور تاب لاين TAP-Line أطول أنابيب النفط في العالم الذي مدده 15 ألف عامل ومهندس أميركي و15 ألف عامل ومهندس سعودي ومن الدول العربية. والتاب لاين يؤدي إلى صيدا على البحر المتوسط إلى قويسومة في جنوب السعودية وطول هذا الأنبوب يبلغ 1230 كيلو مترا. وفي قويسومة يوصل هذا الأنبوب ويربط بنظام أنابيب شركة أرامكو بطول 506 كيلومترات. والمجموع الكلي الطولي لحقول العربية السعودية يبلغ 1736 كيلو مترا.
ان قطر الأنبوب كان ما بين 20 إلى 30 انج أي تقريبا 80 سنتيمترا. وكان الأنبوب يمتلئ بالنفط من كل حقول النفط لمدة 15 يوما تضخ فيه خمسة ملايين وتسعمائة برميل أي مقدار 940 مليون لتر من النفط إلى ان تصل أول قطرة من النفط السعودي البحر البيض المتوسط. ويقول في موقع آخر ويشكر الله على وجود التاب لاين الذي يؤدي إلى الكويت. كانت رحلتي تسير بصورة حسنة من محطة ضخ الأنابيب إلى المحطة الأخرى دون صعوبة. كانت الفيزا السعودية الممنوحة لنا فقط لمدة أسبوع.

الوصول إلى الرياض
وتمكنا من السفر إلى الرياض. وهناك افترقنا اذا غادر صديقي رولف الرياض بالطائر إلى الكويت الذي سينتظرني هناك. وفي فصل آخر بعنوان: الوصل إلى أغنى بلد في العالم يقول ماكس رايش كان مقعد أو كابينة قيادة سيارتي «صديقي «مملوءة بالرمال وكنت أقود السيارة جنبا على جنب الأنبوب الممتد باتجاه الكويت. وفي ضباب رمل الصحراء شاهدت خيمة منصوبة معلقة أمامها على عمود لوحة أو يافطة كتب عليها «جمرك السعودية». خرج منها رجل بدوي حاملا حزاما مملوءا بطلقات نارية وعلى كتفيه لوحتان من النحاس الأصفر وعلى رأسه كوفية وعقال. بدوي له مركز وظيفي. توقفت عنده وسلمته أوراق السيارة والجواز التي فحصها واعادها إلى وتمنى لي رحلة سعيدة ثم ذهب إلى خيمته.
يقول ماكس رايش في صفحة 157 من كتابه: ان سلطان الكويت كان يعلم أن من يأتي من العربية السعودية تكون أوراقه كاملة وأنه قد تم فحصها عدة مرات. حدثت معجزة بان عطفت سيارتي باتجاه شارع عريض معبد بالقار وقدت السيارة وحيدا في منطقة خالية من السكان وكنت أعلم علم اليقين بأن كنوزا من النفط تكمن تحت هذا الشارع. وفجأة وجدت نفسي أمام حقل برجان أغنى حقل في العالم.
وعلى الجوانب بنى مهندسو شركة النفط الكويتية شوارع معبدة بكافة الاتجاهات تخترق الصحراء. وعلى أحد شوارعها المتجه نحو الشمال قدت سيارتي بغبطة ونسيت العواصف الرمليه.و شاهدت على الجانبين مصافي تكرير النفط وأنابيب ينبعث منها الغاز المحروق باللهب. ووصلت ميناء الأحمدي الذي يجمع كل أنابيب النفط من حقل برجان. وهنا يسكن 600 بريطاني وأميركي الذين يقومون بتعبئة النفط إلى حاملات النفط العملاقة. وبامكان سبع بواخر «حاملات النفط» أن تملأ في آن واحد. انتهى ما لدي من بنزين توقفت في احدى محطات البنزين وملأت سيارتي بكمية ثلاثين غالون بالوقود أي بالبنزين ولم يطلب مني أن أدفع ثمنها. ان شركة النفط الكويتية كانت شركة منظمة تنظيما جيدا بحيث تحاسب الشركات التي تصدر اليها النفط على الفلس الواحد لكنها لم تهتم بمحاسبة زائر مار يحتاج إلى بضعة غالونات من الوقود.
اتجهت نحو الشارع المؤدي إلى الكويت. تخيلت أن الكويت عبارة عن واحة. وتقربت قليلا باتجاه المدينة واذا بسور مرتفع من الطين يحيط بها. كانت تسير سيارات كثير وتدخل مدينة الكويت من البوابة الثانية. استوقفني أحد الحراس الذي كان يرتدي اللباس الخاكي وطلب مني بلطف أن أسير إلى البوابة الجنوبية وأدخل المدينة. وقدت سيارتي بمحاذي سور المدينة واستوقفني حارس آخر ويبدو أن هناك شخصا كان ينتظرني في البيت. صعد شرطي إلى سيارتي وجلس بجنبي وقدت سيارتي بهدوء وكان الشارع في المدينة مفتوحا وبدون ازدحام. أردت الذهاب إلى بدر الملا ممثل احدى الشركات الألمانية لماطورات الديزل وكنا قد حددنا موعدا للقاء صديقي رولف.
وهنا كان من المتوقع أن أحصل على وظيفة مهندس بعد عدة أشهر. قادني الشرطي إلى مركز الشرطة. وكان مبارك الصباح من أقارب أمير الكويت مديرا للشرطة وقادوني اليه مباشرة. سلمته جواز سفري وأوراق سيارتي وبدأ يتصفح جواز سفري وشاهد الفيزا السعودية وصورتي وقال لي نعم هو أنت الشخص الذي ننتظره. الحمد لله على سلامتك. ان صديقك الطبيب الألماني سيكون سعيدا لأننا أردنا أن نرسل عدة سيارات نحو الجنوب للبحث عنك.
قادني شرطي إلى مركز المدينة إلى مكتب بدر الملا. كنت فعلا وسخا لم أحلق ذقني أو وجهي وكان العرق الذي يسيل فوق جبيني ووجنتي قد حفر خطوطا بسب الرمل الكثير. بدر الملة شخص سمين هندي نظيف الملبس الذي كان يرتدي لباسا حريريا رحب بي ترحيبا حارا في مكتبه الخاص. وقال لي أنا سعيد جدا بأنك وصلت الكويت بالسلامة وأن صديقك قد بحث عنك في كل الكويت وعمل حملة كبيرة. أين هو الآن سألته؟
أجابني عند الشيخ فهد شقيق الأمير. كان بدر الملة بالنسبة لي باعثا للهدوء والأمل. وفجأة فتح الباب ودخل علي صديقي رولف الذي سألني اين كنت ولم هذا التأخير. قلت له سأحدثك لاحقا عن التفاصيل.
وفي فصل آخر بعنوان: «وردة متفتحة نوارة في بحر رمال العربية «البلدان العربية» «يتحدث ماكس رايش بالتفاصيل عن التعليم في الكويت وبناء مدارس كثيرة للبنات أيضا وقد قام مع صديقه رولف بزيارة عدة مدارس بالقرب من سور المدينة والأحياء الأخرى وأستغرب بأنه توجد مدارس للبنات في الكويت. ويقول كم تمنيت ان تكون مدارس أوروبا مثل مدارس الكويت من كافة النواحي. لم يتواني سلطان الكويت في السنوات الأخيرة منذ أن حقق حقل برجان عائدات النفط بملايين الدولارات في بذل الملايين من اجل تعليم شعبه القراءة والكتابة. وماذا حقق الأمير وشقيقه الشيخ فهد في وقت قصير يستحق الاعجاب والتقدير. يحصل كل من الطلاب والطالبات على ملابس مدرسية ووسائل التعليم والكتابة والكتب مجانا وبالاضافة إلى ذلك يتناولون وجبة غذائية عند الظهر مجانا.
كما شجع الأمير آباء الأطفال الفقراء وخصص لهم رواتب شهرية لكل من يرسل ابنه إلى المدرسة ليقضي كل ساعة فيها. ويقول في هذا الفصل:
«كانت عند أمير الكويت خطة كريمة حيث فوجئ بها مهندسو الانكليز والأميركان وخاصة على عبقرية الأمير المرحوم عبد الله السالم الصباح ألا وهي:
أراد الأمير أن يعقد مع العراق اتفاقية لشراء نصف مياه شط العرب وأن يحفر قناة جبارة طولها 200 كيلومترا بحيث قسم منها يخترق شط العرب ويجري الماء إلى الكويت لكي تتحول الصحراء إلى حدائق وجنينات ومزارع وبساتين. وعندئذ ستصبح الكويت بلادا كالوردة النوارة الزاهرة. وأن مثل هذا المشروع العظيم سيكلف مئات الملايين من الدولارات.
كما تحدث عن أول مجلة صدرت في الكويت بعنوان اليقظة وعن بناء جامعة الكويت ومعاهدها والحي الجامعي.
وتدليلا على الاثر الكبير الذي اوقعته زيارة الكاتب للكويت في نفسه فقد اختار الكويت عنوانا لكتابه رغم ان الكتاب الذي يقع في نحو 250 صفحة قد حوى تفصيلا شاملا لزياراته إلى كل من لبنان والاردن وسورية والسعودية والعراق.
وقد زار ماكس رايش الكويت في فترة محورية في تاريخها الحديث والمعاصر حيث كانت تضع اللبنات الاساسية لكويت التقدم والتنمية معتمدة على قيادتها الحكيمة والبصيرة المتمثلة في سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي تولى حكم البلاد سنة 1950م ومستندة إلى العوائد النفطية الضخمة التي اخذت في جنيها منذ ان بدأت في انتاج نفطها وتصديره بشكل تجاري عام 1946.
لذا فقد غطت النهضة الادارية والتعليمية والصحية والاقتصادية على ما سجله ماكس رايش من ملاحظات تتعلق بزيارته إلى الكويت عام 1952.
يتضمن الكتاب مجموعة نادرة من الصور التي التقطها رفيق الرحالة النمساوي في اثناء زياراته للدول العربية وهو طبيب الاسنان الألماني رولف هيكر ومجموعة اخرى من الصور النادرة وفرتها عائلة الرحالة النمساوي ماكس رايش لمترجم الكتاب من ارشيفه الخاص.

مكانة بارزة
احتلت الكويت مكانة بارزة في اهتمامات هؤلاء الرحالين لاسباب عدة لم تقتصر على النفط وحده فقد اشتهرت بصناعتها للسفن التي كانت تجوب مياه الخليج العربي والمحيط الهندي كما كان لموقعها الجيوستراتيجي المميز دور كبير في حركة التجارة الاقليمية والدولية وقبل هذا وذاك عرف صيادوها بمهارتهم الفائقة في الغوص بحثا عن اللؤلؤ.
لكنه ومع انتصاف القرن العشرين اتخذت الكويت من عائدات النفط مصدرا رئيسيا لدخلها الوطني وكان من حكمة قادتها ان شرعوا على الفور في وضع خطط البناء والتنمية في شتى المجالات مستفيدين من هذه العائدات الضخمة التي جلبها النفط ومثل سمو عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي بدأ عام 1950 بداية حقيقية لمنظومة التحديث التي مازالت الكويت تحيا وتستند إلى اسسها حتى يومنا هذا.
وقد حمل سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح على كتفيه مسؤولية الارتقاء بالوطن وأبنائه في شتى المجالات فجلب المستشارين والخبراء والعمال من الخارج لوضع الاسس الراسخة لمجتمع واعد يستحق ان ينعم بما منَّ الله عليه من ثروات لم تتح لكثير من دول العالم واخذ هؤلاء المختصون في وضع خطط التنمية للسنوات التالية وشرعوا في تأسيس بنية تحتية قوية لدولة يحلم قادتها وابناؤها بمكانة مرموقة على خريطة العالم لن يحظوا بها سوى في اطار نهضة اقتصادية وتعليمية وصحية وثقافية.

من جنوا إلى الكويت
في ظل هذه الاجواء الواعدة والمبشرة وتحديدا في صيف عام 1952 زار الرحالة النمساوي ماكس رايش الكويت ضمن رحلة شملت لبنان وسورية والاردن والسعودية والعراق بدأت على ظهر السفينة اسبيريا التي تحركت من رصيف ميناء جنوا الايطالي بتاريخ 23 فبراير من العام ذاته والتي شحن رايش على سطحها سيارته التي استخدمها في جولاته بالدول العربية والتي اثارت اهتمام كل من رآها لتجهيزاتها الداخلية المميزة وقتئذ.
ولد ماكس رايش في النمسا في 12 من اكتوبر 1912 وتوفي بها ايضا في 18 من يناير 1985 وكان مهندسا قديرا عرف باهتماماته الجغرافية والتاريخية والصحافية له عديد من المؤلفات والدراسات نشر اغلبها.
وقد عرف عن رايش ولعه بالسفر والترحال وخاصة لدول المشرق فزار بلاد البلقان والأناضول وفارس والأراضي الهندية وسورية ولبنان والأردن والعراق والسعودية والكويت وبعض الدول الافريقية.
وقد ذكر رايش في كتابه هذا كل الأماكن التي زارها أو أقام فيها في الكويت وسجل ملاحظات وخواطر متنوعة فنجده يشيد بأجواء الحرية الموجودة في الكويت وكيف أن مسؤوليها يعفون جميع السلع والبضائع الواردة اليها من الجمارك كما أن الأجنبي الذي يرغب في الدخول اليها لا يحتاج للحصول على تأشيرة «فيزا».
واستطرد رايش في وصف الشوارع والطرق الاسفلتية الموجودة في الكويت سواء التي تقع بمحاذاة مياه الخليج أو الموجودة داخل المدينة.

حقل برقان
كما نال حقل برقان وميناء الأحمدي الكثير من اهتمام رايش فقد وصف حقل برقان بأنه كنز عظيم لكونه أغنى حقول النفط في العالم حسب قوله ونوه رايش بالجهود التي يبذلها الشيخ عبدالله السالم الصباح من أجل رفعة البلاد وتقدمها في شتى المجالات.
وأشار الرحالة النمساوي إلى وضع المدارس الجيد في البلاد والى كثرة أعداد الطلاب البنين والبنات والى نظافة المدارس وتمنى أن ينال المعلم الأوروبي التقدير المادي نفسه الذي يلقاه المعلم في الكويت.
وتابع رايش الحركة الثقافية النشطة بالكويت وأشاد بها بعد أن زار مجلة «اليقظة» التي كانت تصدر آنذاك.
ولفتت الأمانة الشديدة التي تمتع بها الكويتيون وحالة الأمن في البلاد انتباه رايش فأشاد بهما في شيء من المبالغة حين قال: «ان المرء لا يجد أقفالا في الكويت فلا حاجة لغلق الأبواب» وأكد رايش ان الكويت لم تكن يوما مستعمرة أو تحت الانتداب كما لم تكن محمية فقد كانت مستقلة تماما وتدير شؤونها بنفسها على حد وصفه وأنها كانت تستشير بريطانيا فقط في بعض الأمور الخارجية. كما وصف الكويت بأنها «زهرة متفتحة في بحر رمال العرب» وأشاد رايش بالاشخاص الذين التقاهم في رحلته هذه كالشيخ فهد السالم الصباح والشيخ عبدالله المبارك الصباح مدير الأمن العام والشيخ محمد الصباح رئيس قوات الشرطة كما التقى رايش مجموعة من الاجانب الذين كانوا يعيشون في الكويت كالكولونيل ديكسون وزوجته والمستشار البريطاني بيلي والسيد درويش المقدادي والسيد يوسف محمد النصر الله كل هذا وأكثر رآه رايش جديرا بالتسجيل والتدوين.

جنة النفط
يبدأ الكاتب بوصف رحلته في متن الكتاب قائلا: قبل أن آتي إلى الكويت قرأت كثيرا في الصحف عن أغنى رجل في العالم وعن جنة النفط وعن سبائك الذهب التي تباع وتشترى في الشوارع وعن العسل التركي الموجود بوفرة وعن نموذج لدولة اشتراكية دون ضرائب أو رسوم جمركية فأصبحت شغوفا جدا للتعرف على كل هذه الأشياء بنفسي.
كان أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم الصباح رجلا حذرا جدا ومفاوضا قديرا فقد قال في أول خطبه: «أنا وصي مسؤول عن ادارة أموال الكويت الطائلة التي هي ملك شعبي وسوف أحرسها واستخدمها في محلها الصحيح».
قضيت ليلتي في بيت الضيافة وفي الصباح أخذت الآلة الكاتبة ووضعتها على الفراش وطويت عددا من السجاجيد الصغيرة وجعلت منها مقعدا لي أما رولف فقد ذهب إلى المدينة وتحديدا إلى مكتب السيد بدر الملا لتسلم رسائله وعندما عاد إلى البيت أحضر لي بعض الرسائل.
وبعد أن فرغت من قراءة البرقية والرسالة هدأت وأدركت قيمة البلد المتحضر حقا كالكويت فالآن يستطيع المرء أن يتصل تلغرافيا من الكويت بكل دول العالم عكس بعض الدول المجاورة.
لم أقابل الشيخ فهد السالم الصباح حتى الآن لكن سموه أوعز لشخص يدعى ادوارد ان يرينا المدينة بدأنا جولتنا في مدينة الكويت سرنا على شارع الكورنيش الواسع ومررنا بالمباني الحكومية وبعض الشوارع الرملية تمت تغطيتها بالاسفلت وأغلب الشوارع كانت ممتلئة بالهراسات البخارية الحرارية وأكوام من القار والحصى كي تغطى بالأسفلت كان الشيخ فهد مسؤولا عن جميع هذه الأعمال لأنه كان مدير دائرة الأشغال العامة ورئيس قسم الصحة ومحافظ المدينة في هذه الاثناء والحق يقال فقد كان الرجل مثقلا بالأعباء وكنت تواقا جدا للتعرف اليه توقفنا في الساحة الكبيرة «ساحة الصفاة» تجولنا في أرجاء المدينة لاحظت أن الثروة النفطية قد انعكست على أسواق الكويت وجدت أرقى السلع والبضائع المستوردة من قارات العالم الخمس معروضة وتابع بأثمان زهيدة من الروبيات والآنات الهندية يوجد كل شيء في المحلات عدا الكحول حيث يمنع تماما بيعه أو شربه ويعاقب المخالف بحسب تعاليم الإسلام بالجلد.

الأفلام المصرية
وفي جولتنا ما بين الكويت القديمة والكويت الجديدة البالغ عدد سكانها 50 ألفا شاهدنا مصارف وبنوكا كثيرة تودع فيها ثروة البلاد ولكن لا توجد ادارة للضرائب ولا توجد دور للسينما لكن الأفلام المصرية تشاهد هنا ولها أسواق رائجة لأنها مفهومة لدى الكويتيين.
ومن الأشياء الجيدة التي لاحظتها في الكويت اختفاء المتسولين الذين يستجدون الأموال تماما فلم اسمع بأذني صوتا واحدا لهؤلاء المتسولين ولم أفرح بتوفير بعض العملات المعدنية بل فرحت بتخلصي من الازعاج المستمر للشحاذين والذي لازمني في اثناء زيارتي لسورية والعراق.
وقد لاحظت انه لا يوجد في الكويت سوى قليل من البعوض والذباب الذي يراه المرء بكثرة في كل الدول العربية ان مكافحة البعوض الذي يسبب حمى الملاريا كانت ناجحة جدا في السنوات الاخيرة فأضحت الاصابة بهذا المرض نادرة جدا لكن اكثر الامراض انتشارا الآن هو مرض السل وقد شاهدت مصحة للمصابين بأمراض الصدر قرب المدينة الجامعية وهي لا تزال تحت الانشاء.
وكانت المدارس من ضمن الاماكن التي تحتم على السيد ادواردز ان يرينا اياها وقد قمت خلال العشرين سنة الماضية بزيارة مئات المدارس في العديد من دول العالم البعيدة عن اوروبا واميركا القابعة في قارات العالم الاربع وكان المسؤولون في هذه الدول يسعون بكل ما اوتوا من قوة إلى تقليد الحضارة الغربية وكانوا يطلعونا بمنتهى الفخر على مدارسهم لكنني كنت اخفي مللي وضيقي من خطب المديح الكثيرة التي كانت تلقى على مسامعي بيد اننا عندما بدأنا زيارتنا للمدارس الكويتية التي فاقت اعدادها توقعاتي تعجبت كثيرا ممن كثرة الاطفال في المدارس لكني عرفت ان الدولة قامت بتشجيع الجميع وتحفيزهم على التعليم وعلى الذهاب إلى المدارس لكن المفاجأة الحقيقية التي اذهلتني تمثلت في وجود مدارس خاصة بالبنات غير اننا لم نتمكن من زيارتها نظرا للعادات والتقاليد الكويتية.
لم يتردد شيخ الكويت في استغلال العائدات الكبيرة لثروة البلاد النفطية لمصلحة وطنه فبذل الغالي والنفيس لتعليم شعبه القراءة والكتابة ان ما حققه هو وشقيقه الشيخ فهد في هذه المدة القصيرة يدعو للاعجاب.

مجلة اليقظة
طلبنا إلى ادواردز ان يوصلنا إلى هيئة تحرير مجلة «اليقظة» وهي المجلة الوحيدة التي تصدر في الكويت وهي مجلة شهرية تنشر عرضا شاملا لاوضاع البلاد وقد اشتمل العدد الاخير منها على موضوعات عدة تخص اتحاد الامارات المطلة على الخليج وزيارة الامير العراقي الوصي على العرش عبدالاله لامارات الخليج للحصول على دعمها للعراق كما نشرت المجلة في عددها اخبارا تخص بعض الدول العربية وبعض الاخبار المحلية كحالات الزواج والوفاة وتأسيس الشركات ومقالة عن الحركة الكشفية في الكويت وصفحة عن الشخصيات الاجنبية التي زارت الكويت وبعض الاعلانات وقصة قصيرة ومجلة اليقظة هي بحق بداية الصحافة في الكويت.
من الكويت إلى بغداد طريق الوداع
في الطريق إلى البصرة الجو حار جدا والهواء يلمع ويتلألأ فوق الرمال المتوهجة ومحرك سيارتي يعاني والطريق ضيقة جدا والدرب الصحراوي مليء بالرمال والاحجار ووعر جدا وموتر للاعصاب ونحن نفهم ان الكويت تهتم اولا ببناء المدارس والمستشفيات ثم بعد ذلك يأتي تعبيد الشوارع.
اخيرا وجدت دائرة كويتية للجمارك وهي التي بحثت عنها طويلا في اثناء قدومي من المملكة العربية السعودية وجدتها على ممر جبلي صخري مرتفع لمسافة مائة متر تقريبا فوق مستوى سطح البحر لقد جهز امير الكويت الطرق المؤدية إلى الشمال بمراكز ودوائر للجمارك ورأيت فوق بوابة مبنى مشيد من الاحجار والصخور لوحة عليها رمز الكويت «علمان احمران متقاطعان كتب عليهما بالعربية الكويت».
حضر الينا موظفو الجوازات وقدموا لنا الشاي ودعونا احدهم لتناول طعام الغداء معنا فقبل ثم توقف سائلا عما اذا كان اللحم الذي قدمناه له لحم خنزير؟ فأجبته بالنفي فابتسم وأخذ صحنه وبدأ في تناول طعامه.
مثلت هذه اللحظات وداعا لطيفا للكويت ووجدت نفسي حزينا للغاية لفراق الطيبة العالية التي وجدتها في الكويت حقيقة انني اتشوق للقاء الشيخ فهد ثانية لو اتيحت لي الفرصة لزيارة الكويت مرة اخرى لأستمتع بأحاديثه اللطيفة والشيقة كما اتمنى ان اسكن في دار الضيافة ثانية.
ولم يفتش موظفو الجمارك حقائبنا وأثناء خروجنا من الكويت فماذا سنأخذ منها سوى سلسلة من الذكريات السعيدة التي تذكرنا بهذا البلد الجميل وأهله الطيبين؟

السيارة ذات المظهر الغريب
كانت سيارتي واقفة على شارع الكورنيش امام بيت الضيافة طيلة فترة اقامتي بالكويت وقد عانيت كثيرا بسبب مظهرها الغريب الذي كان اشبه ببيت يقف على أربع عجلات وكانت فترة الاستراحة في المنزل تتيح لكثير من المواطنين الكويتيين الفرصة ليسألوا عن سيارتي ومواصفاتها والاطلاع عليها ومشاهدة ما فيها ولم نستطع غلق الابواب على انفسنا بالاقفال لانها غير موجودة في الكويت فالكويتيون شعب امين ومخلص وقد ألهبت سيارتي خيال المهندسين التقنيين العرب بتصميمها الغريب واثاثها الفريد من الداخل «خزانة الملابس المنضدة المكتبة الالة الكاتبة صنبور الماء حوض الغسيل السريران المطبخ» واستطيع ان اقول انني فقط في الكويت قمت بفتح سيارتي للراغبين في مشاهدتها من الداخل قرب الاربعين مرة.
وقد اضحت سيارتي في حاجة إلى الصيانة بشكل عاجل بعد وصولي إلى الكويت عبر الاراضي السعودية فتكرم الشيخ فهد السالم الصباح بمنحي موافقة لتصليحها في ورش التصليح الخاصة بسيارات سمو الامير وتسلمت تصريحا بالمرور عبر بوابة المنتزه الكبير الذي يقع خلف بيت سمو امير الكويت وهو مجرد بيت متواضع جدا لاغنى رجل في العالم وليس قصرا فخما وهو الشيء المدهش الذي يحير العقول فهو رجل متواضع جدا في معيشته ونظام حياته.
وحقيقة فانني لم اشاهد مثيلا لورشة تصليح سيارات سمو الامير في كل الدول العربية التي زرتها فالكويت تستورد احدث المكائن من انجلترا واميركا وتجلب افضل المهندسين والعمال التقنيين فالامير كان ذكيا وبعيد النظر وواسع الافق.
 

Comments are now closed for this entry