D1(4).png

 

بقلم: عبدالله حسن آل عبدالمحسن

ظهرت القصة الشعبية وكانت مختلطة بالمعاني والمخاطرات الغيبية والسحر والأمور الخارقة وحوادثها غير المألوفة فكان القاص يتخيل ويصف ما يتخيل ولا يصف الواقع ويواجهه وكانت الجماهير تهتم بالأحداث العجيبة وبالأخطار الخيالية.
إذن بدايات القصة كانت تخلط عالم الناس بعالم الغيب ويطغى في القصة الخيال على حدود العقل والمغامرات والمخاطرات تكون مرتبة على حسب رغبة القاص أو المؤلف بحيث يمكن تقديم بعضها على بعض دون ضرر بوحدة القصة وهذه القصص تنتهي على حسب ما يريد المؤلف.
وقد تأثرت القصص في المنطقة العربية بما يعتقده البعض من ظهور الأرواح والجن وتأثير الشياطين في شؤون الناس تأثيراً مباشراً وتأثرت كذلك بالفروسية؛ فالبطل في هذه القصص يعيش في عالم بعيد عن الحقيقة حيث تحميه قوى غيبية وتساعده الساحرة والفارس في القصص يحارب عمالقة ومخلوقات وحشية ولا يربط الحوادث في القصة سوى شخصية البطل الذي لا يزال ينتقل من حدث لآخر ومن نصر إلى نصر. وتنتهي القصة في النهاية دائماً بانتصار البطل وتغلبه على جميع الصعاب.
ثم تطورت القصة الشعبية حيث لجأ المؤلفون إلى وصف أماكن واقعية في بلادهم جعلوها مجال الحوادث التي دارت بين أبطال قصصهم وصار هؤلاء الأبطال من صميم البيئة كبطل من البحارة أو رجال الحي والحارة أو المزارعين.
وأخيراً وصلت القصة الشعبية إلى مرحلة تصف وتتحدث عن العادات والتقاليد للطبقة الدنيا في المجتمع وفيها يتخيل المؤلف مخاطرات يقصها وهي ذات صبغة هيجائية للمجتمع ويسافر فيها البطل من حياة فقيرة بائسة يحيى بها على هامش المجتمع إلى بطل غني له قيمته يعمل للخير والإحسان لكن القصة بقت وتأثرت بالخوارق على أن هذه الاتجاهات الاجتماعية قد نمت فأصبحت القصة طاقة فكرية نوعاً ما تدعو إلى العمل الخيري وإصلاح المجتمع والفرد.
ونتيجة لكل الاتجاهات ظهرت القصص ذات القضايا الاجتماعية التي تتمثل في اتجاهين يتلاقيان آخر الأمر هما: الفرد وحقوقه. وما تستلزمه سعادة الفرد من تعاون اجتماعي وصارت قضايا القصة أعمق أثراً في علاج مشاكل المجتمع وقد امتازت هذه القصص ذات القضايا الاجتماعية عن قصص العادات إنها كانت تهدف إلى تنظيم الفرد في علاقته بالمجتمع ونظمه وإثارة الرحمة بالفقراء وعمل البحر والنخل وإنصافهم.
وقد كان للعرب حكايات يتلهون بها ويسمرون ولكن بدايات هذه القصص إذا كانت لها دلالة شعبية فليست لها قيمة فنية فقد بدأ العرب القصة بروايات تاريخية تختلط فيها الحقائق بالخرافات ولم تتوافر لها الصياغة الفنية فقد كانت ميداناً للوعاظ والوصايا وقد كانت على أقسام:
1- القصص والملاحم الشعبية التي أخذت من أيام العرب القدامى وسير أبطالهم وقد صيغت باللغة العامية كقصة الزير سالم وقصة عنترة التي لها دلالة اجتماعية وقيمة شعبية.
2-  قصص الحيوان وهو من القصص المترجمة الدخيلة كقصص كليلة ودمنة وهي قصص تروى على لسان الحيوان أو الخرافة. ويمكن أن يقال -إجمالاً- إنها إما فطرية أسطورية تشرح ما سار بين الناس وإما مأخوذة من كتب العهد القديم وما عدا هذا فمتأخر عن كليلة ودمنة وتأثر به كما في بعض قصص الحيوان للجاحظ.
وقد اتصفت قصص كليلة ودمنة بطابع خلقي وفني انفرد به قصد منها تعليم الحكام كيف يحكمون والرعية كيف يطيعون وذلك على لسان الحيوان.
وهناك أيضاً قصص «ألف ليلة وليلة» وهي تشبه في أصلها كتاب كليلة ودمنة وهذا الأخير متأثر بالقصص الهندية بينما الأول متأثر بالقصص الفارسية وإن قصص ألف ليلة وليلة ليس لها غاية خلقية كما في كليلة ودمنة بل هي زاخرة بالخيال والمخاطرات وعالم السحر والعجائب والرابطة بين حوادثها مصطنعة تمتد -عن طريق التساؤل- في الزمن الذي يحل فيه القاص حكايته متتابعة كما يشاء.
لكننا نجد في منطقة الخليج العربية قد سارت القصة بطريقين:
1- طريقة أهل المدن.
2- طريقة أهل البدو.
فالبيئة الخليجية قديماً لم تكن لها وحدة اجتماعية غير وحدة القبيلة مما يقعد بالخيال عن إدراك وحدة التماسك الاجتماعي وأثر الأحداث فيه وهو أساس القصة الفنية الناضجة ما دفع القاص الخليجي إلى الاعتداد بالحقائق المأثورة والحوادث المروية والوقوف عندها بوصفها عماد ما يفخر به القاص لكن هذا لا يعني أن القاص الخليجي لم يتأثر بالأجناس القصصية المأثورة في أدب العرب القديم وخاصة ألف ليلة وليلة وبالخرافات أو القصص على لسان الحيوان التي تحوي من حكايات الجن والسحرة والخرافات والأساطير والقصص الشعبية.
ومن أشهر الكتب التي تأثر بها الخليجيون من مجموعات تحوي قصص الجن والخوارق «مختصر العجائب والغرائب» للمسعودي وهو يضم مزيجاً من الحقائق وحكايات الجن والخوارق وكذلك كتاب «الوزراء والكتاب» لأبي عبدالله الجهشياري الذي أراد أن يجمع فيه أسمار العرب وأن يجعلها ألف سمر تحكى على ألف ليلة فاجتمع له من ذلك أربعمئة وثمانون ليلة لكل ليلة سمر تام يحتوي على خمسين ورقة لكنه مات عام 942م قبل أن يتمها ألف سمر.
والحقيقة أن حكايات الجن والسحرة التي تحكى في منطقة الخليج العربية يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أقسام:
-1 ما تصلح حكايته لأفراد المجتمع لما تحمله بين ثناياها ما تبعث المتعة وتبث الأخلاقيات الحميدة وما تتضمنه من ألوان الخيالات والمغامرات.
-2 قصص لا تصلح حكايتها لمجتمع الخليج وذلك لما تتضمنه من مخالفات للمعتقد الديني أو القيم الخلقية.
-3  حكايات يمكن تعديلها لتخفف ما بها من مخالفات للمعتقد والخلق كي تتلاءم مع المعتقد وتقاليد المجتمع وتتواءم مع القيم والأخلاق.
والقسم الأول من الحكايات التي تثير المتعة وتبث الأخلاقيات بعد تعديلها قصة >سميميجه< وهي حكاية لفتاة طيبة يتيمة تعيش مع زوجة أبيها القاسية وأخواتها المدللات وأبيها المشغول عنها بكسب قوته من صيد السمك. وقد أتى أبوها يوماً بسمكة كبيرة لتكون طعاماً للأسرة طلبت خالتها -زوجة الأب- منها أن تنظفها في البحر وعندما همت الفتاة اليتيمة بشق بطن السمكة نادتها قائلة: «هديني واغنيك فأولادي الصغار في حاجة إليَّ» فرق قلب الفتاة للسمكة على الرغم من خوفها من زوجة أبيها تركتها بعد أن وعدتها بأن تحضر لها سمكة أخرى مثلها وبرّت السمكة بوعدها وقبل أن تغوص ثانية في الماء قالت للفتاة: «إذا احتجت شيئاً تعالي إلى السيف ونادي «يا يمه يا سميجة» فكانت الفتاة «نورة» كلما ذهبت إلى البحر تنادي أمها السمكة فتحضر لها الطعام اللذيذ فتأكل الفتاة وتسمن وتزداد بهاء وجمالاً.
وذات يوم أقام السلطان حفلاً كبيراً دعا إليه كل الأسر وبناتها لتختار السلطانة زوجة لابنها الأمير وذهبت زوجة الصياد وبناتها ورفضت أن تصحبها ابنة زوجها «نورة» فخلطت لها العدس والماش والأرز وأمرتها أن تفصلها عن بعضها وأن تغسل الماعون في البحر وعلى الشاطئ بكت الفتاة اليتيمة «نورة» من القهر والغيظ وتذكرت السمكة فنادتها وجاءتها على عجل وعرفت رغبتها في الذهاب إلى الحفل فغسّلتها وزينتها وكستها الحرير وقلدتها الذهب من رأسها لساسها حتى نعلها كان مذهباً وأعطتها ماء ورد وزعفران وطلبت منها أن ترشها على الضيوف وعلى ابن السلطان وأعطتها كيس ملح وكيس تراب وطلبت منها أن تقذف بهما في وجه زوجة أبيها وأخواتها وجاءت بسمكة ولمستها فانقلبت فرساً مزيناً ركبته الفتاة إلى قصر السلطان.
ودخلت الفتاة «نورة» الحفل فبهرت الناس بجمالها ودلالها وزينتها فأعجب بها ابن السلطان وفعلت ما طلبت منها السمكة وقبل نهاية الحفل خرجت مسرعة وركبت الفرس لتعود إلى البيت قبل عودتهن وفي الطريق عطش الفرس ومال على عين ليشرب فسقط من الفتاة «نورة» معضدها الذهبي في الماء.
خرج ابن السلطان ثاني يوم إلى الصيد وعطش فرسه وحين مال على نفس العين ليشرب منها وجد شيئاً يبرق في الماء فنادى العبيد والحراس وجاءوا فنظر الجميع ووجدوا المعضد الذهبي يتلألأ في العين الصافية فأخرجه أحد العبيد من الماء وعاد ابن السلطان للقصر بالمعضد وطلب من أبيه أن يزوجه صاحبة المعضد فقام العبيد والحراس بالبحث في البيوت والدور عن الفتاة التي يلائمها المعضد ويكون على مقاسها وكانت الفتاة «نورة» في التنور وغطت بابه برحى مكسورة وأبرزت بناتها لكن المعضد لم يطابق عضد أية واحدة منهن وبينما همّ الحراس بالخروج إذ صاح الديك: «كو.. كو.. عمتي «نورة» طاحت في التنور عليها حبة الرحى والحبة المكسورة» وأخذ الديك يكرر صياحه فتوقف الحراس وتوجهوا إلى التنور وأخرجوا نورة منه.
المفاجأة أن طابق المعضد عضدها وقرر ابن السلطان الزواج منها. وأصيبت زوجة الأب بالقهر والغم ونكاية في نورة طلبت لها مهراً كيساً من التمر وسلة «متوت يابس» وأمرتها أن تأكله ليلة عرسها فانتفخ بطنها وخبثت رائحتها فذهبت إلى البحر لأمها السمكة تشكو زوجة أبيها فأعادتها إلى حالتها الطبيعية وغسلتها وزينتها وعطرتها وأركبتها فرساً ذهبت بها إلى قصر السلطان ففرح بها وأقام لها الأفراح سبع ليال وسبعة أيام.
وتروى في جانب منها أنها بعد أن أكلت التمر والمتوت زفوها على ابن السلطان واحتاجت إلى الحمام فلم تتمكن حيث سبقتها فكان خروجها ذهباً تساقط في حضن ابن السلطان وأخبر أهله بذلك مما دفع الآخر لابن السلطان في الزواج من بنت الصياد الثانية ظناً منه أنها جميلة كأختها وأن خروجها ذهباً.. فقدم لها مهراً مماثلاً لمهر أختها ولما أكلته ليلة عرسها انتفخ بطنها وخبث ريحها وحين زفت إلى ابن السلطان الثاني وجدها قبيحة المنظر ونفر من رائحتها فطلقها وأعادها إلى أمها ليأكل قلبها الغيظ والحزن وتعيش مع أمها في حزن ونكد وتعيش نورة مع ابن السلطان في فرح وسرور.
فنجد أن القصة تسيء للعلاقات الأسرية وتقطع وشائجها وذلك بإبراز امرأة الأب إنسانة قاسية حاقدة وقد يتقبلها البعض وتكون لديهم نزعة إجرامية. بينما نجد هناك قصصاً لا بأس بها في منطقتنا الخليجية تتناسب وقيم وعادات مجتمعنا مثل قصة «حساب القبر» و«من أنطق الأميرة» وقصة «رمان جدي» وغيرها من القصص مثل «ابن الملك وأصحابه» التي دوّنها الأستاذ عبد الكريم الجهيمان بقوله:
«يقال إنه في قديم الزمان.. اصطحب أربعة من الشباب وسافروا إلى بلاد غير بلادهم أحدهم ابن الملك والثاني ابن تاجر والثالث ابن لأحد الأشراف وكان ذا هيئة وجمال نادرين وأما الرابع فهو ابن فلاح.
وكانوا جميعاً لا يحملون معهم إلا ما فوق أجسامهم من الثياب.. فبينما هم يمشون في طريقهم إلى تلك البلاد التي قصدوها.. صار الرفقة يتحدثون عن هذه الدنيا وتقلباتها ورفعها لقوم وخفضها لآخرين.
وقال ابن الملك: إن أمر الدنيا كله بالقضاء والقدر.. والذي يقدّر على الإنسان لابد أن يأتيه شاء أم أبى.. وليس على الإنسان إلا الشكر في حالة الرخاء.. والصبر في حالة البلاء.
وقال ابن التاجر: إن العقل هو أفضل هبة وهبها الله للإنسان.. وبهذا العقل امتاز الإنسان على الحيوان.
وقال ابن الشريف: إن أفضل ما وهبه الله للإنسان الجمال والشرف.
وقال ابن الفلاح: ليس في الدنيا أفضل من الاجتهاد والكد والكفاح في سبيل لقمة العيش.
وقرب الرفقة الأربعة من البلاد التي قصدوها.. والمدينة التي يريدون العيش فيها.. وجلسوا تحت ظل شجرة يتشاورون فيمن يذهب إلى المدينة ويأتيهم بما يأكلون ويشربون فقالوا لابن الفلاح: اذهب واكتسب لنا باجتهادك طعاما ليومنا هذا.. فانطلق ابن الفلاح إلى المدينة.. وسأل عن عمل إذا عمله الإنسان يكتسب منه طعام أربعة أشخاص فأخبروه بأنه ليس في مدينتهم شيء أعز من الحطب فانطلق ابن الفلاح إلى الصحراء وجمع حزمة من الحطب كبيرة بالقدر الذي يستطيع أن يحمله.. ثم جاء بها إلى المدينة وباعها بدرهم واشترى بذلك الدرهم طعاماً يكفي أربعة أشخاص ثم مرّ على باب المدينة وكتب عليه هذه العبارة «عمل يوم واحد إذا اجتهد فيه الإنسان قيمته درهم واحد» ثم انطلق إلى أصحابه بالطعام فأكلوا وشربوا ثم ناموا.
وعندما جاء الصباح لليوم الثاني قالوا لابن الشريف الذي يفخر بجمال نفسه وبهاء طلعته اذهب اليوم إلى المدينة وآت لنا بما نأكله ونشربه فانطلق ابن الشريف إلى المدينة وبينما كان في الطريق قال في نفسه: إنني غريب في هذه المدينة فلا أعرف أحداً ولا يعرفني أحد.. كما أنني لا أحسن عملاً من الأعمال.. ولا أعرف صنعة من الصناعات.. فما هو الرأي؟ إنني لا ينبغي أن أعود إلى أصحابي بلا شيء.. فما هو الرأي؟
وجلس تحت ظل شجرة كبيرة يفكر فيما يجب عليه أن يفعله.. غلبه النوم فنام.. فمرّت به امرأة رجل من عظماء المدينة فرأت هيئته وجماله فعطفت عليه وأشفقت على هيئته وجماله فأرسلت إليه خادمتها وأعطته ما تيسر من المال والطعام الذي يُقدر بخمسمئة درهم فخرج من المدينة وكتب على بابها «جمال يوم واحد يساوي خمسمئة درهم» فذهب بالمال إلى أصحابه بعد أن اشترى ما يكفيهم من طعام وشراب.
فلما أصبحوا في اليوم الثالث قالوا لابن التاجر: انطلق واطلب لنا بعقلك وتجاربك طعاماً نأكله في يومنا هذا.. فانطلق ابن التاجر إلى المدينة ومرّ في طريقه بالميناء البحري فأبصر سفينة تحمل الكثير من الأرزاق والملابس التي يحتاجها أهل المدينة وخرج تجار المدينة يريدون شراء تلك البضائع وجلسوا يتشاورون في الطريقة التي يستطيعون بها شراء تلك البضائع بأرخص الأثمان.
وقال بعضهم لبعض: الرأي أن نرجع يومنا هذا فلا نشتري منه شيئاً فإذا جاء الغد أتيناه وقد ملّ من طول المقام فنشتري منه بضاعته بأرخص الأثمان. وكان ابن التاجر يسمع كلامهم.. وعندما انصرف التجار ذهب ابن التاجر إلى صاحب المركب فاشترى منه جميع ما في المركب من البضائع واشترط على صاحب المركب أن يمهله إلى أن يبيعها.
وأظهر ابن التاجر أنه سوف ينقل هذه البضائع إلى مدينة أخرى.. فسمع التجار بما جرى.. وكانت مدينتهم في أشد الحاجة إلى الأطعمة والكساء.. فجاءوا مسرعين إلى ابن التاجر وأعطوه ربحاً فيما اشترى ألف درهم على أن يدفعوا لصاحب المركب القيمة المتفق عليها وحمل ابن التاجر ألف درهم إلى أصحابه.. ومرّ بباب المدينة وكتب عليه: «عقل يوم واحد ثمنه ألف درهم».
وجاء الدور في اليوم الرابع على ابن الملك.. فقالوا له: انطلق واكتسب لنا رزقاً في هذا اليوم وأرنا كيف يصنع القضاء والقدر فانطلق ابن الملك حتى أتى المدينة فجلس على ربوة مرتفعة عند باب المدينة واتفق أن ملك تلك البلاد قد مات في ذلك اليوم ولم يخلف ولداً ولا أحداً من قرابته.. ومرّ الشعب بجنازة الملك والكل منهم حزين باك.. بينما رأوا ابن الملك الغريب غير حزين ولا باك فشتمه بواب المدينة وقال له: من أنت أيها اللئيم.. وما الذي يجلسك عند باب المدينة ولا نراك تحزن على موت الملك كما يحزن الآخرون؟ ثم طرده البواب عن الباب.. فلما ذهبوا من عند الباب عاد ابن الملك وجلس في مكانه فلما دفنوا الملك ورجعوا بصر به البواب قد عاد إلى الجلوس عند الباب فغضب وقال له: ألم أنهك عن الجلوس في هذا الموضع ثم أخذه وحبسه.
واجتمع زعماء أهل المدينة يتشاورون فيمن يملكون عليهم.. وكان كل زعيم منهم يتطلع إلى أن يكون هو الملك.. فاختلفوا فيما بينهم وكاد يقع بينهم شر وفتنة. فقال لهم بواب المدينة إنني رأيت غلاماً جالساً على باب المدينة ولم أره يحزن كما حزنا فطردته عن الباب.. وعندما عدنا من دفن الملك رأيته جالساً في المكان الذي طردته منه.. فأدخلته السجن خوفاً من أن يكون جاسوساً فبعث أشراف المدينة إلى الغلام فجيء به من السجن فسأله زعماء المدينة عن حاله وما الذي أقدمه إليهم؟ فقال لهم ابن الملك: إنني ابن الملك الفلاني وقد توفي والدي وغلبني أخي على الملك فهربت من بلادي خوفاً على نفسي حتى انتهيت إلى بلادكم.. فلما كان معروفاً للجميع بالعدل والشجاعة والكرم.
ورأى زعماء المدينة أنه من الأفضل أن يولوا عليهم هذا الغلام وأن ينصبوه ملكاً على البلاد خوفاً من حدوث خلافات بين الزعماء تسبب فتنة في البلاد. فاتفقوا على تنصيبه ملكاً عليهم وكان من عادة تلك البلاد إذا ملّكوا عليهم ملكاً أن يحملوه على فيل أبيض وأن يطوفوا به في أحياء المدينة فلما فعلوا به ذلك مرّوا به على باب المدينة فأمر بأن تكتب على الباب هذه الجملة: «إن الاجتهاد والجمال والعقل وكل ما أصاب الإنسان من خير أو شر فإنما هو بقضاء وقدر من الله عزّ وجلّ».
انطلق إلى سرير ملكه وأرسل إلى أصحابه الذين كانوا معه فأحضرهم فأشرك صاحب العقل مع الوزراء وضم ابن الفلاح إلى أصحاب الزراعة وأمر لصاحب الجمال والشرف بمال كثير ثم نفاه من تلك البلاد خوفاً من أن تفتن به نساء المدينة ثم أمر هذا الملك الشاب بأن يجتمع مع علماء مملكته وذوي الرأي فيهم.. فلما اجتمعوا قال لهم: «أما أصحابي في الغربة فقد تيقنوا أن الذي رزقهم الله سبحانه وتعالى من الخير إنما هو بقضاء الله وقدره.. وإنما أحب أن تعلموا ذلك أنتم وتتيقنوا فإن الذي منحني الله وهيأه لي إنما كان بتقدير الله وقضائه ولم يكن بجمال ولا عقل ولا قوة جسدية واجتهاد».
وكان في ذلك الجمع شيخ ذو فصاحة وبيان فنهض حتى استوى قائماً ثم قال: إنك أيها الملك قد تكلمت بكلام عقل وحكمة يدل على وفور عقلك وحسن ظنك بربك. وقد حققت بكلامك ظننا فيك ورجاءنا لك. وقد فهمنا ما ذكرت من شأن القضاء والقدر.. وما ساقه الله لك من الملك والكرامة والمكانة الرفيعة التي أنت بلا شك أهل لها وحقيق بها وقد أحسن الله إلينا عندما قدمت إلى بلادنا عند موت مليكنا.
ثم تتابع الخطباء كل منهم يثني بما عرف مما يناسب المقام وينتظم في سلوك ذلك النظام.
ثم تفرقوا من ذلك الاجتماع وانصرف كل منهم إلى عمله وعاش الجميع في سلام ووئام إلى أن فرقتهم حوادث الدهور والأيام.
ومن القصص الشعبية في الخليج قصص جميلة لو عدّلت أحداثها حتى تستقيم مع القيم السائدة ومنها «قصة الصخر وقصر موزة»(1) وتحكي قصة «موزة» بنت السلطان التي تسكن قصراً عالياً أمامه صخرة كبرى وعلى كل من يرغب من الشباب الزواج منها أن يقف على الصخرة حتى تراه موزة وتختبره وتسأل عن أعماله الشجاعة فإذا لم ينل إعجابها تنادي على الصخرة فتبتلعه.
وأخيراً ينال شاب غريب إعجابها بشجاعته وأفعاله المجيدة فتتزوجه وتسافر معه إلى بلاده ولكن أخته تكيد لها وتوهم أخاها بخيانتها له فيعيد «موزة» إلى قصرها ويمرض الشاب من فراق موزة لأنه يحبها حتى كاد يشرف على الموت فتعترف له أخته بمكيدتها وببراءة زوجته ويهرع الزوج إلى بلد «موزة» ويقف على الصخرة يناديها وينبئها بأنه عرف براءتها ويريدها أن تعود إليه لأنه يحبها لكن موزة تنادي على الصخرة فتبتلعه.
فالعقاب في هذه القصة كما رأينا وقع على غير مذنب بل وقع على من يريد رفع الظلم عن بريء وتركت المذنبة الحقيقية دون عقاب ويمكن تعديل القصة كما يقول الدكتور علي الحديدي: بأنه لا يستطيع الشاب لمرضه أن يذهب إلى زوجته ليعيدها إليه وتذهب أخته إلى قصر موزة وتقف على الصخرة وتنادي «موزة» وتنبئها بمرض زوجها وحبه لها وتعترف لها بمكيدتها عند أخيها حينئذ تنادي موزة الصخرة فتبتلع الأخت وتهرع إلى زوجها فتدركه قبل أن يموت وتعيش معه في هناء.
ومن القصص التي تتعارض مع الدين والقيم قصة «طرطر وابن السلطان» والتي تتلخص في أن لطرطر بنتا يتيمة الأبوين تعيش مع أخيها الذي يحبها ولا يفكر في الزواج من أجلها واتصلت بها جارتها الشريرة وأبدت لها العطف والمودة وجعلتها تقنع أخاها بالزواج منها وبعد الزواج تغيرت الجارة وظهرت كراهيتها لأخت زوجها وضاقت بها حتى إنها في سفرة من سفرات زوجها خرجت بها إلى الصحراء وتركتها فيها للوحوش الجائعة ويعثر جني على الفتاة فيتبناها ويسميها «طرطر» ويأتي لها بالحلي والملابس الجميلة والخيل الفارهة فتتزين وتركب الخيل للصيد والمتعة. ورآها الأمير ابن السلطان فأعجب بها وأراد الزواج منها وحين استشارت أباها الجني اشترط عليها ألا تتكلم مع زوجها إلا إذا ناداها باسمها الحقيقي طرطر ويتزوجها الأمير ويحاول أياماً وليالي أن يكلمها لترد عليه لكنه يبوء بالفشل ولما يئس منها وظن أنها أصيبت بالخرس والبله تزوج بغيرها. ولكن «طرطر» كانت تقتل الزوجة الجديدة بقواها السحرية التي علمها إياها أبوها الجني ليلة زفافها ويتكرر الزواج ويتكرر القتل وأخيراً يهتدي الأمير إلى كلمة «طرطر» بطريق الصدفة فتتكلم طرطر وتعيش مع زوجها في هناء<(2).
ومن قصص >الأسرة< في منطقة الخليج العربية أيضاً «قصة ستوت» أو قصة «سرور» التي تصيب عقول الأطفال والشباب بالاضطراب في فهم العلاقات الأسرية والمعتقدات والتقاليد وتتلخص هذه القصة فيما يلي:
أن الطفل «ستوت» أو «سرور» الذي يعيش مع زوجة أبيه بعد موت والدته وحصل أن أقبل ضيوف على والده فطلب من زوجته ذبح شاة لغدائهم ونظراً لكرهها لـ«ستوت» فكرت في ذبحه وطبخه وتقديمه للضيوف وحتى تخفي معالم جريمتها قطعت الرأس والرجلين واليدين ودفنتهم تحت مربط فرس أبيه وبعد أن طعم الضيوف وعادوا أدراجهم تفقد الرجل ولده فلم يجده وبحث عنه في كل مكان دون جدوى واستأجر منادياً يدور في الأحياء بحثاً عن «ستوت». وعلى أطراف المسكونة سمع صوتاً آتياً من بعيد يقول: «ستوت يا ولد عمي يبغاك أبوك.. ستوت ذبحته خالته مرة أبوه وقدمته طعاماً للضيوف ودفنت رأسه ورجليه ويديه تحت مربط خيل أبوه».
فذعر المنادي من الصوت ومما يقوله وأسرع إلى والد «ستوت» وأخبره بما سمع واصطحبه إلى مكان الصوت وعاد للتأكد من الخبر ولما تأكد من جريمة زوجته بعد عثوره على بقايا أعضاء ولده تحت مربط الخيل ذبحها وطبخها ودعا أهلها إلى وليمة فأكلوا ابنتهم وكان قد دسّ يدها بخاتمها في الطعام فلما وصلت إليها أيدي الآكلين عرفوا أنهم يأكلون لحم ابنتهم فهاجوا لكنه حين أخبرهم بما فعلت مع ابنه ستوت هدأوا وقالوا: إنها تستحق العقاب نظير عملها.
وهكذا نجد أن بعض القصص لا يحمل رسالة اجتماعية أو تعليمية وأن الهدف منها التسلية وبعضها الآخر له قيمة تربوية واجتماعية وتتحدث عن صراع الخير والشر وعن الشجاعة وحب العمل والسخرية بالرذيلة والاستفادة من الحكمة والعقل. وتعتبر القصص التي تدور حول السحر كلها قصص تبعد عن قيم مجتمعنا فأبطالها يمتلكون قوة سحرية ويتغلبون على الوحوش ويدركون مبتغاهم فالبطل يمكن أن يتحول إلى حيوان أو طائر ويحول الإنسان إلى صخرة أو شجرة أو غير ذلك.
والحكايات القديمة التي تدور حول الحيوان تمثل إلى حد معين في مجتمع الخليج العربي سلسلة من الأعمال الفنية الخرافية التي يجمع بينها شخصية البطل النصاب المحتال حيث تتحدث الحكاية على مغامرات وحيل هذا البطل الذي يخرج منتصراً ببساطة بفضل حيلته وذكائه ونادراً ما نجد في قصص الحيوان في المنطقة تتميز بالنقد والتربية كما هو موجود في بعض قصص الموروث الجاهلي الذي انحدر إلينا في كتب الأمثال في الهدف والأسلوب ولو باللهجة المحلية الخليجية ولم نجد في قصصنا أيضاً قصصاً قريبة من كتاب العربية الأفذاذ أمثال الجاحظ وأبي حيان التوحيدي.
والظريف أن الذين ألفوا الكتب الخفيفة مثل جمع الجواهر والتمثيل والمحاضرة والأذكياء والمستطرف والكشكول وهذا الأدب لا يخلو من حس نقدي في مضمونه الاجتماعي والسياسي ولم نجد إلا القليل والقليل جداً من القصص الخليجية الشعبية التي تهتم بالمضمون الاجتماعي والتربوي مثل قصة «بنت الصياد» التي تتلخص في أن صياداً يتوجه يومياً إلى البحر وما يصطاده يبيعه في السوق ويشتري بالمال طعاماً لزوجته وابنته. وفي يوم من الأيام طلبت منه ابنته التوجه معه إلى البحر فلم يوافق لكنها لحقته خفية وما أن رآها زعل وحلف أن يطلق أمها وعاد وبكت البنت وبعد لحظات رمت الشبكة في البحر وبينما هي تفكر في مصير أمها ووالدها رجعت للشبكة وعملت على جرها وصادف أن كان بالشبكة سمكة كبيرة فأخذتها وعادت للبيت فوجدت الوالد قد مات ولما بدأت بتنظيف السمكة وعثرت على «خاتم شبيك لبيك» ما أن فركته حتى ظهر لها عفريت مخيف خاطبها قائلاً: شبيك لبيك عبدك بين يديك فخافت وبعد أن هدأ روعها من المفاجأة طلبت منه أن يبني لها قصراً عظيماً مكان الكوخ وأن يعطيها مالاً كثيراً وكذا قبراً لوالدها ففعل فأخذت تضع مالاً يكون من نصيب الفقراء والمساكين فكانت تضع كل يوم مبلغاً من المال فانتشر خبرها ووصل الخبر إلى الملك وصمم على أن يقف بنفسه على قصة بنت الصياد فتوجه مع وزيره وطلب منها أن تقص عليهم خبرها فشرطت بذلك وأخبرتهم وفي النهاية أعجب بها الملك وتزوجها.
ومثل هذه القصة حكاية التاجر والعفريت وقصة دويان والملك يونان والجن تحاكم أنسياً وجوهرة الصياد وابن شمسي والمرأة الذكية وشور حمده على منديل وقصة الذئب الراعي التي تقول:
مرض راعي الغنم مرة فاحتار أهله فيمن يرعى الغنم بعده إذ العادة أن يرعاها فتى أو فتاة أو حتى امرأة ولكنهم لم يجدوا عندهم من يقوم بهذا. فبحثوا عن أي شخص يقوم بهذه المهمة ولا بد من أن يكون شخصاً ذا مكانة عند الغنم بحيث تخافه وتنصاع لأوامره وإلا فإنها قد تشرد وتتيه في الصحراء أو تأبى الانتقال إلى المكان جيد المرعى.
ولما كانوا في مكان ناء من الصحراء وليس قربهم أحد من بني آدم فقد فكروا في أن يجدوا من الحيوانات من يقوم بهذا العمل فالتفتوا حولهم فإذا بهم يجدون الحمار ففرحوا بذلك لأنه أكبر جسماً من الغنم بل من ابن آدم وهو صبور على المشي وهو مثل الغنم يحتاج أيضاً إلى المرعى الجيد لذلك سيختار لها ولنفسه ما يضمن له الشبع. فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوه يرعى الغنم فأرسلوا عجوزاً لهم كبيرة لتبلغه هذه الرسالة التي هي شرف له لم يحلم به ولا آباؤه «الحماريون» من قبل.
إلا أن العجوز بتجربتها التي علمتها السنون أدركت أن الحمار لا يصلح لهذه المهمة؛ لأن ليس لديه الشخصية القوية التي يفرض بها إرادته على مرؤوسيه من الأغنام فعادت إلى أولادها قائلة: إن الحمار لا يصلح لهذه المهمة!
فسألوها بدهشة: لماذا لا يصلح وهو كبير الحجم، واف الأعضاء قوي على المشي؟ فأجابت لأنه ضعيف الشخصية وضعيف الشخصية لا يحترمه أحد. بل لا يمتثل مرؤوسوه لما يصدره إليهم من أوامر إن سمح له ضعف شخصيته بإصدار الأوامر.
فسألوها: ما هو الدليل على ضعف شخصية الحمار؟
فأجابت: هو أن الذئب وهو أصغر منه حجماً بكثير إذا جاء إليه أصاب الحمار «عقر بقر» فوقف في مكانه حتى لا يستطيع السير والهرب فضلاً عن أن يدافع عن نفسه ولو استعمل قوته البدنية في الدفاع عن نفسه تجاه الذئب لامتنع عنه.
إلا أنها وهي تريد أن تكمل حديثها قاطعتها بنت صغيرة من الأسرة قائلة: لقد طرأت على بالي فكرة جيدة.
فتركوا حديث العجوز والتفتوا إلى حيث البنت يسمعون كلامها ويتركون كلام العجوز قائلين: ما هي تلك الفكرة؟
أجابت: لماذا لا نجعل الذئب هو الذي يسرح بالغنم؟ أليست شخصية قوية؟ أليست الغنم تخاف منه وتنصاع لأوامره؟
فحبذوا كلهم هذه الفكرة وبخاصة أنها جاءت من رأس فتاة جميلة وليس من دماغ عجوز وهكذا نادوا الذئب وأخبروه بقرارهم.
إلا أنه بدلاً من أن يضحك بهذه المناسبة كما كانوا يتوقعون لأن هذا منصب لم يكن له شرف القيام بشغله من قبل جعل يبكي!
فعجبوا من ذلك وسألوه: لماذا تبكي أيها الذئب؟ أيؤذيك أن ترعى الغنم؟ أهو عمل شاق إلى هذه الدرجة؟ ألك موعد سابق مع إحدى «الذئبات» تخشى أن يفوتك؟ أم ماذا؟
فأجاب: لا هذا ولا ذاك. إنما أبكي على رجال الصدق الذين إذا قالوا شيئاً أتموه!.
ومن القصص الشعبية الجميلة الهادفة قصة «قنيفذ بالعرمة» التي تبيَّن أن العقل هو سبب النجاح.. تقول القصة:
اتفق القنفذ والنعامة على أن يشتركا في الزرع ويتعاونا عليه. وقد زرعا بالفعل وكان التعاون والتعاضد كل بقدر طاقته هو الذي ساد هذه الشركة رغم التفاوت الواضح بين الشريكين في القوة الجسمانية غير أن جهد أحدهما كان يحمل جهد صاحبه فكانت النعامة أكبر جسماً وأعظم قوة ولذلك تطيق من العمل العضلي أو إن شئت قلت: «الريشي» أكثر مما يطيق القنفذ أن يتحمله غير أن القنفذ يعوض ذلك بكونه أكثر خبرة في شؤون الزراعة لملازمته للزراع وتردده بين البساتين واستماعه إلى نصيحة كبراء قومه ومشايخ القبائل «القنفذية».
وكان حظهما حسناً إذ جاء المحصول وفيراً سالماً من الآفات الكثيرة التي كانت تصيب الزرع في ذلك الوقت وكان زرعهما هو القمح فقط فعندما حصداه وداساه وذرياه بوسائلهما الخاصة التي لم يعرف الراوي عن تفاصيلها ما يكفي حتى أصبح القمح كومة لها رأس على شكل الهرم تسميه العامة وحيواناتهم مثلهم «العرمة». فاختلفا في الطريقة التي يقتسمان بها هذا القمح حتى طرح القنفذ على النعامة اقتراحاً سرعان ما قبلته. قال القنفذ للنعامة: يا صديقتي وشريكتي المخلصة لقد زرعنا معاً ولم نختلف وأتممنا زرعنا حتى غدا كومة من القمح ولم نختلف كذلك لا يعقل أن نترك الاختلاف والشقاق يدب بيننا على أمر هو أيسر الأمور على الشريكين في الزرع ألا وهو اقتسام المحصول لذلك رأيت رغم ما في رأيي من بعض الغبن لي أن أتسابق أنا وأنت إلى كومة الزرع فمن سبق إلى الكومة فهي له.
يكفي أن نبتعد عنها مسافة كافية ثم نبدأ سباقنا في السحر لأن «البركة في البكور» فإن سبقتك إلى القمح كان لي وإن سبقتني إليه كان لك!
فرحبت النعامة بذلك أعظم ترحيب لأنها تعلم أنها أسبق من القنفذ في الجري عدة أضعاف وظنت أن الفرصة قد واتتها أخيراً للاستئثار بالقمح بطريقة مشروعة.
أما القنفذ فإنه كان قد بيَّت أمراً: اتفق مع جماعة من قومه «بني قنفذ» على أن يوزع أماكنهم في الليل ما بين ميدان مبدأ السباق على كومة القمح وهو يعلم أن النعامة ترفع رأسها عند الركض فلا ترى ما على الأرض بوضوح وبخاصة إذا كان الوقت ليلاً.