S1(3).pngحكى لنا العرب في أسفارهم وفي رحلاتهم عن الغول والقطرب وخوافي الجن وهواتف السعالي والنسناس التي تعترضهم في الفيافي والخلوات وتغشاهم في الجبال والفلوات- كما حكى لنا الرواة والرحالة العرب الذين شقّوا أراضي الجزيرة العربية شمالها وجنوبها أن للجن - قبائلها وعشائرها وملوكها - أودية وشعاب وجبال تسكنها وتتكاثر فيها اذ عرف عن بعض فيافي نجد وجبال الحجاز وأودية اليمن أنها كانت مأهولة بجموع من الجن تحدثت عنها كتب العرب وأشعارهم في الجاهلية وفي الاسلام.
جبل خنوقة في البجادية مسكن قبيلتين من الجن الأولى مسلمة لا تؤذي أحداً والأخرى كافرة طال شرها المسافرين.

بلدان الجن في جزيرة العرب
عُرف عن الجن أنها تسكن الخراب والفلوات ومواضع النجاسات في الحمامات والقمائم لذا نهى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن هذه الأماكن وحذّر منها وأمرنا بالتحصّن بالأوراد الشرعية الصحيحة عند النزول بها كما عُرف عن الجن سكناها المواضع المظلمة والغيران والكهوف الموحشة والأماكن المهجورة في الحواضر والبوادي الاّ أن تواجدها في الفيافي والقفار معلومٌ مشهور عند العرب وغيرهم بل ان العرب على علم بذلك لطبيعة أرضهم وكثرة تنقلهم في الصحاري الموغلة والبيد المقفرة.
سكنت أرض وبار وجبل سواج وأبرق الحنان ويبرين والحِجر من أرض ثمود وبلاد الشحر.
ولذا قيل ان الجن سكنت أرض وبار وجبل سواج وأبرق الحنان من جزيرة العرب كما سكنت جبل حرفة في محافظة النماص ويبرين التي يرى البعض أنها أرض عاد بعد هلاكهم جنوب الجزيرة العربية كما زعموا أنها سكنت الحجر من أرض ثمود -وهي تختلف عن حجر اليمامة في عالية نجد التي تضم مدينة الرياض حالياً- وقد ذكر العلامة أبن جنيدل أن في جبل خنوقة موطن شهير لمعازف الجن وتقصد العرب بالمعازف ما يصدر في الصحاري من أصوات ونواح وصفير فسّره البعض بصوت الرياح على السواحل والكثبان الرملية.
ورأى البعض الآخر منهم أنها هو صوت نواح الجن حيث ذكر الجنيدل واصفاً جبل خنوقة بأنه جبل أشهب تعلو جانبه الغربي برقة كثيب رمل أحمر وتحف جانبه الشرقي برقة بيضاء واسعة تسمى أبرق خنوقة وموقعه شمال بلدة البجادية غرب محافظة الدوادمي.
وادي عبقر مأهول بأمة من الجن
ينسبون اليها كل شخص ذكي
وتوقع الجنيدل أن خنوقة مسكن بنو مالك وبنو الشيصبان وهما قبيلتان من الجن الأولى مسلمة لا تؤذي أحداً والأخرى كافرة لا يسلم من شرها المسافرون والسابلة ولا أدل على اسلام الجن وكفرها الاّ قوله تعالى وانَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدا كما اختلف العرب في موضع جن البدي الذي أشار اليه لبيد بن ربيعة في شعره فقيل المقصود بها البادية أي الصحاري وقيل بل البدي وادٍ لبني عامر وبني عامر أمة من القبائل مجتمعة في جدها الأكبر عامر بن صعصعة ومساكنها بين نجد وجبال تهامة وهي إلى نجد أقرب على أنها مجاورة لصحاري الربع الخالي من الناحية الشرقية ولذا وُصف أهلها بالشجاعة وشدة البأس ونجدة الملهوف مع ما عرفوا به من الفصاحة ورقة الشعر لا سيما في الغزل العذري الذي تسيده في تلك البلاد قيس بن الملوح مجنون بني عامر في مسرح جبل التوباد في محافظة الأفلاج الحالية.
بيت الأشباح قاد ابن الهيثم إلى نظرية الانكسار الضوئي والسينما
أشهر بيت شعر قالته الجن: وقبر حربٍ بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر

وادي عبقر
كما أشار العرب إلى جن البقار واختلفوا في البقار هل هو وادٍ أم جبل أو رملة الاّ أنهم اتفقوا على أن وادي عبقر واد مأهول بأمة من الجن ولذا كثر ذكره في أشعارهم ورواياتهم حتى إن بعضهم ذكر أن فيه قرية عامرة بأصناف من الجن التي ينسبون اليها كل شخص ذكي فيقولون عبقري نسبة إلى وادي عبقر الذي ترجح الروايات أنه في أرض اليمن -على خلاف بعض الأقوال التي زعمت أنه بين جبال الحجاز وتلك التي ذهبت إلى القول بأنه وادٍ في فيافي نجد- كما قالوا ان بلاد الشحر في حضرموت مشهور بتواجد الجن ولذا قالوا: ان من قبائل الجن بنو غزوان وأن من ملوكهم الشنقناق والشيصبان وروي أن بعضها سكن في قصر الخليفة العباسي المعتضد بالله في بغداد وروع أهله.
كما ذكرها بعض الشعراء مثل بشّار بن برد والشنفر والسليك بن سلكة وتأبط شراً وأبن الورد وأكثروا من ذكر العوامر وهي قبائل من الجن سميت بذلك لأنها تسكن البيوت لاسيما المهجورة منها أي تعمرها بسكناها ولذا يقال هذا البيت مسكون أما العفاريت فهي القوية منها ومع هذا فكلها ضعيفة في كيدها وقدراتها على ايذاء الانسي اذا تحصن منها بما شرعه الله له كتلاوة القرآن العظيم والتحصّن بالأوراد الشرعية الصحيحة والتعوذ بالله من الجان وشرورها وكيدها.
وقد روي عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان بالمدينة نفراً من الجنة قد أسلموا فمن رأى شيئاً من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثاً فان بدا له بعد فليقتله فانه شيطان رواه مسلم.
أي أن الإنسان اذا رأى ما يريبه من الأشباح أو الأفاعي أو ربما الحشرات وغيرها فليأمره بالخروج بعد أن يستعيذ بالله العلي العظيم منه فان شاهده بعد ثلاثة أيام فليقتله ولا أدل على ضعف كيد مردة الجن إلا جهلهم بوفاة النبي سليمان عليه الصلاة والسلام قال تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
كما أن معظم ما يذكره بني البشر من مخاوفهم من الجن عائد إلى الشكوك والأوهام وهذا ما كانت العرب تزعمه في بعض أوهامها حتى جاء الاسلام فصحح معتقداتهم وصرف الاستعاذة بالله وحده قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الاِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا.
كما كشف ضعف الانس والجن وتحداهم سبحانه أن يجتازوا أقطار السموات والأرض قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْاِنسِ اِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ اِلّا بِسُلْطَانٍ 33 فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ34 يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ.

الغول والسعلاة
وروي أن الغول انما سميت غولاً لأنها تغتال الناس أي تهلكهم ولذا كانت العرب تقول للمسافر هون الله عليك غول هذا الطريق كما كانت تطلق على أم الكبائر الغول ومنها اشتق الكيميائيون العرب ابان تحضرهم مسمى الغول الايثيلي أو الايثانول على مادة الخمر حيث إن كلمة الكحول بالانجليزية عائدة إلى أصلها الغول في العربية بل قد سبق هذا كله كتاب الله عز وجل في قوله تعالى في وصف خمر الجنة: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ كما قال راوية العرب أو عبيدة: الغول أن يغتال عقولهم وأنشد:
ما زالت الكأس تختالهم
وتذهب بالأول الأول
كما قالوا إن أنثى الغول تسمى غيلة وان ذكرها يسمى قطرب ولذا عرف عن الغول التلون في صورتها وثيابها فهي في بعض صورها كالإنسان إلا رجليها فانها رجلي حمار وتزعم العرب أن الغول تتغول لهم في الخلوات فيخاطبونها وربما ضيفوها كما قال الشاعر تأبط شراً:
ما أصبحت والغول لي جارة
 فيا جارتي أنت ما أهولا
فمن كان يسأل عن جارتي
فان لها باللوى منزلاً
وكان هذا الشاعر الجاهلي ثابت بن جابر المعروف بـتأبط شرا من صعاليك العرب الذين يهيمون في الصحاري والخلوات ويسابقون النعام والغزلان ويعيشون في البراري وبطون الأودية كما زعمت العرب أن الغيلان جمع غول توقد لهم النيران بالليل وتحتال على السابلة والمسافرين حتى قال أبو المطراب يصور حاله معها في احدى رحلاته:
فلله در الغول أي رفيقة
لصاحب قفر حالف وهو معبر
أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت
 حوالي نيراناً تلوح وتزهر
كما قال عبيد بن أيوب في وصف السعلاة السعلو في لهجتنا الحالية:
وساخرة مني ولو أن عينها
رأت ما رأت عيني من الحول جنت
أبيت بسعلاة وغول بقفزة
اذ الليل وارى الجن فيه أرنت
ووصف بعضهم السعلاة فقال:
وحافر العنز في ساقٍ مدملجة
 وجفن عينٍ خلاف الانس بالطول
وقيل إن علقمة بن صفوان بن أمية قتله شق والشق عندهم ضرب من الجن نصفه على شكل إنسان كما زعموا أن حرب بن أمية قتلته الجن ثم ناحت ببيت من الشعر يصعب على المرء تكراره أكثر من مرة لصعوبة المتشابه من حروفه وهو البيت الشهير الذي تقول فيه الجن:
وقبر حربٍ بمكان قفر
وليس قرب قبر حرب قبر
كما زعموا أنها قتلت مرداس السلمي وأبو العباس بن مرداس والمغني الغريض لأنها منعته من الغناء لكنه غنى ذات ليلة فقتلته وكان صاحب صوت رخيم.
أما هواتف الجن فقد زعموا أنها تصيح في القفار والفيافي والأودية السحيقة وتخيف ضعاف النفوس بصوت مسموع وجسم غير مرئي حتى كانت العرب من جهلها تعوذ بسيد الوادي –كما تزعم – من سفهاء قومه من الجن إلى أن نزل الوحي برسالة الاسلام ونهى عن الشرك بالله والخوف من مخلوقاته أو صرف الخوف والرجاء لغيره سبحانه.

أساطير العرب
عرفت الأسطورة بأنها ضرب بين الحقيقة والخيال ولذا دأب القول على أنها تطلق على كل أمر يحتمل الوجود الفعلي أو عدمه وقد زعمت العرب أن العاشق المشهور مجنون ليلى وحكيم العرب ابن القرية والهزلي المضحك أبو غصن الفزاري جحا هم من الأساطير التي ظلت مبهمة بين الحقيقة والخيال وعليه قالوا إن الغول والعنقاء هما من ضروب الأساطير إلا أن الروايات والمنقولات العربية تكاد في معظمها تثبت حكايات الرحالة العرب مع الغول رغم عدم قبول كثير منها.
وقد روى المسعودي في كتابه مروج الذهب تفصيلاً لذلك كما وضع الأديب المعاصر محمد عبدالرحيم كتاباً سماه أدب الجن شدّد فيه على صحة ما نُقل من آداب وأشعار الجن في العصر الجاهلي وصدر الاسلام والعصر الأموي والعباسي وذكر ما كان يردده شعراء العرب من أن الجن تلقي الشعر على أفواههم ولذا قال جرير:
اني ليلقي عليّ الشعر مكتهل
من الشياطين ابليس الأباليس
وكانوا يزعمون أن لكل شاعر شيطانا يلقي عليه فكان –حسب زعمهم– اسم شيطان الأعشى مسحل بن أثاثة وشيطان عمرو بن قطن: جهنام وبشار بن برد: شقنانق أما النابغة الذبياني فله: هاذر بن مادر ولأمرئ القيس: لافظ بن لاحظ وعبيد بن الأبرص: هبيد بن الصلادم وللكميت: مدرك بن واغم وغيرهم كثير ولا أدل على ذلك عندهم إلا ما روي من الأشعار التي نُسبت للجن كقول النسناس الذي لحق به كلبان ليصطاداه وهو يجري هرباً منهما ويقول في قصيدة عجيبة:
الويل لي مما به دهاني
حظي من الهموم والأحزان
قفا قليلاً أيه الكلباني
واستمعا قولي وصدقاني
لولا سباتي ما ملكتاني
حتى تموتا أو تفارقاني
لست بخوارٍ ولا جبان
ولا بنكس رعش الحنان
لكن قضاء الملك الرحمن
يذل ذا القوة والسلطان
وغيرها أشعار كثيرة بتراكيب وصورٍ عذبة مبتكرة.

بيت الأشباح
ولعل من الطريف في أمر الأشباح والعفاريت ما روي من ذيوع خبر بالبصرة – قبل ألف عام – يحذّر الناس من دخول بيت مهجور بأطراف المدينة زعم من زاره أنه رأى العفاريت والأشباح تتراءى له في جدرانه وبين منازله وهو ما دعا الفيزيائي الشهير الحسن بن الهيثم يطلب من أحد أصحابه أن يزور معه هذا البيت المسكون ورغم تعجب صاحبه إلا أن ابن الهيثم أصرّ على الذهاب وما دخل مع صاحبه إلا واكتشف نظرية الانكسار الضوئي وابتكر السينما وبدأ دراساته عن القمرة كاميرا الغرفة المظلمة لأنه اكتشف أن هذه الأشباح والعفاريت المزعومة ما هي إلا انعكاس لظلال أجسام المارين بالطريق على جدران المنزل الذي دخلت عليه أشعة الشمس من خلال ثقوب وفجوات تباينت في سطوعها وخفوتها حسب سطوع ضوء الشمس وبهذا مهدت نظرية الأشباح إلى اكتشافات ظلت حبيسة الكتب أكثر من تسعمائة عام استفاد منها العالمان الفرنسيان لوي دايجر في التصوير الشمسي وجبريل ليمان في التصوير الملون وكذلك الأميركي ايستمان جورج مؤسس شركة كوداك في القرن التاسع عشر والغريب أن نظرية الأشباح - وما تلاها من اكتشاف الكاميرات - وقفت عاجزة عن تصوير الجن التي وصفها العرب قديماً بأنها تسمع ولا ترى.