b_100_70_16777215_01_images_image_S3.png كثيرون يكرهون إطلاق لفظة القرصنة على أشخاص أو قبائل عربية غير أن القرصنة في البحر لا تختلف كثيراً عن القرصنة في البر وكانت القبائل البدوية في شرق الجزيرة العربية تمارس النوعين وإن كانت بعض القبائل تخصصت أكثر في مجال القرصنة البحرية كما كانت تفعل قبيلة بني هاجر.
غير أن عدداً من المؤرخين العرب يشعرون بأن استخدام لفظة القرصنة البحرية وهي غربية تبطن اتهامات في غير محلها وتعود الحساسية الى القرن التاسع عشر حينما انضم القواسم الى الدولة السعودية الأولى وهاجموا السفن الأجنبية والعربية التي يملكها أهل عمان وغيرهم ممن رفضوا الانضواء تحت لواء الدعوة السلفية. وفيما بعد هاجم الإنكليز القواسم ودمروا اسطولهم البحري وسموا الساحل العربي الخليجي بساحل القراصنة.
ومن حق المرء أن يعترض على وصف تلك العمليات التي كان يقوم بها القواسم في المجمل بالقرصنة حيث اتخذت بنظر الكثيرين شكل الجهاد الديني وكانت موجهة في المجمل ضد الإنكليز وحلفائهم وإن كانت في بعض التفاصيل لم تخل من الملاحظات. والإنكليز ومن قبلهم البرتغاليون أولى بإطلاق لفظة القراصنة عليهم فمعظم أفعالهم وخصوصاص البرتغاليين كانت قرصنة على المكشوف كما هي مسجلة تاريخياً.
ومن هنا نفهم الحساسية في إطلاق لفظة القرصنة على القبائل العربية منذ ذلك التاريخ خصوصاً أن الإنكليز سموا شاطئ عمان والإمارات التي تصالحت فيما بعد بشاطئ القراصنة.
والحقيقة أن هناك اختلافاً بيّناً بين ما كان يقوم به القواسم وبين ما كانت تقوم به قبائل المنطقة الشرقية أو بعضها فالأولى كانت تمارس أفعالاً تحت غطاء ديني فيما كان نشاط الهواجر على سبيل المثال في مجال القرصنة لا تتحمل أي تفسير ديني أو وطني.
وإذا كانت منطقة القطيف والأحساء قد تعرضتا على طول تاريخهما القديم والحديث لغزو القبائل وتعدياتها براً فإن ما كان يمارس في البحر لا يختلف أبداً عما كان يمارس في البر فهناك هجوم ونهب وقتل.
إن النشاط البري القبائلي في شرق الجزيرة العربية معروف ومسجل في الكتب وهي مليئة بحوادث النهب والسرقة والقتل ولكن المؤرخين قلّما أشاروا الى نفس الأفعال غير الحميدة التي كانت تقع في البحر. ولأن الأحساء لم تكن تطل على البحر ولم يكن أهلها يمارسون النشاط البحري لذا تركزت أعمال القرصنة على الساحل القطيفي الذي عانى لعقود طويلة ــ إن لم يكن لقرون ــ من نشاط القراصنة والذين اشتهر منهم: رحمة بن جابر الجلاهمة وزيد بن محمد وغيرهما.
لكن القول بأن جميع القبائل المنتشرة على الساحل الخليجي كانت تتعاطى القرصنة البحرية فهذا يحتاج الى إثبات فالعجمان مثلاً لم يولوا أهمية للقرصنة البحرية وإن كانوا قد دوّخوا الأحساء براً. مع أنه حدث وأن شارك عجمانيون وهواجر في أعمال قرصنة مشتركة.
أما ما يقال بأن أعمال القرصنة كانت مصدر الرزق الوحيد للقبائل فهذا غير صحيح لا براً ولا بحراً وفيه تجنّ على الحقيقة.
إن الوثائق التي نتعرض لها في هذا العدد تكشف جانباً مهماً عن حوادث القرصنة في الساحل القطيفي وهي تعطي صورة عن الأحداث السياسية المضطربة منذ سيطرة العثمانيين على المنطقة الشرقية عام 1871 وحتى عام 1904 ومدى تأثر الأوضاع الاقتصادية بنشاط القبائل البحري وموقع تلك القرصنة من السياسة الإقليمية ودور القوتين العثمانية والإنكليزية في حل معضلة الأمن في الخليج. كما تحوي الوثائق الكثير من الإشارات المهمة لحوادث تاريخية قطيفية وخليجية ونجدية قد تكون جاءت عرضاً وهي ذات فائدة جلية للباحثين في التراث الخليجي السياسي والتاريخي والاقتصادي منه.

مسرح للقرصنة
كانت البحار بين جزيرة البحرين وسواحل القطيف وقطر منذ زمن بعيد ولا تزال مسرحاً للعديد من أعمال القرصنة التي يرتكبها افراد قبيلة بني هاجر وقبائل الجزيرة العربية البدوية الأخرى التي تعيش على الغزو والنهب. لقد أخذنا علماً بالأعمال الإجرامية التي يرتكبها بنو هاجر «فهي مدونة في ملخص وقائع قطر وأيضاً في ملخص وقائع البحرين» ( KATAR PRECI>S - BAHRAIN PRECI>S)  وذلك منذ أن احتل الأتراك منطقة القطيف عام 1871. وفي عام 1878 أطلق البدو العنان المطلق لسيادة عادات النهب والسلب في مياه القطيف مما جعل أمن الخليج في حالة خطر محدق بلغ من الشدة حداً اضطرت الحكومة البريطانية معه الى أن تحزم أمرها وتقرر إما اعتبار الحكومة التركية مسؤولة عن أعمال القرصنة هذه أو التحرك بمفردها لوضع حد لهذه الأوضاع التي لم تعد تطاق. وهكذا فإننا ندخل الآن حقبة جديدة ومهمة في التاريخ السياسي للخليج الفارسي وليس هناك محل للاعتذار أو لتبرير دخولنا في التفاصيل الدقيقة لأعمال القرصنة في مياه القطيف التي تتوارد التقارير عنها منذ عام 1878 وكذلك مسألة المسؤولية عن حفظ الهدوء والنظام الناتجة عن ذلك. ملاحظة: إن الأقسام الثلاثة الأولى من هذا البحث قد جمعت معلوماتها وأُعدّت من قبل المستر بلاوتن والموظفين الآخرين في دائرة الشؤون الخارجية في حكومة الهند.
في 20 سبتمبر 1878 أبرق الكولونيل روس يقول ان بني هاجر استولوا على بعض المراكب الفارسية ونهبوا ما كان فيها وان هذه المراكب هوجمت على مقربة من جزيرة الشيخ شعيب الواقعة على الساحل الفارسي للخليج وأن اللصوص جرحوا اثنين من رجال تلك المراكب. وأضاف أن العصابة نفسها سطت على مركب آخر ونهبت ما فيه واستولت على 10000 روبية نقداً ثم قتلت ناخوذة المركب الذي لم تعرف جنسيته. عاد هؤلاء بعدها فنزلوا على ساحل قطر ويرى الكولونيل روس أنه يجب مخاطبة الحكومة العثمانية بخصوص أعمال هؤلاء وتحركاتهـم ثم وجه الانتـبــاه إلى «زبــارة» وهي ميناء تقع على يابسة الجزيرة العربية مقابل البحرين حيث قيل إن زعيمها متورط في أعمال القرصنة ويسأل «الكولونيل روس» عمّا إذا كان لدى حكومة الهند اعتراض على تعامله مباشرة مع ذلك المكان «زبارة» واستخدامه لإجراءات قمعية حازمة ضدها إذا اقتضى الأمر. وقال روس في برقيته ان الحكم التركي في الزبارة لم يكن يوماً حكماً مؤكداً وحقيقياً وإن حكومة الهند لم تسمح للبحرين بالمطالبة بفرض سلطتها عليها.
في 24 من الشهر ذاته «نوفمبر 1878» أبرق المقيم «الكولونيل روس» مرة أخرى ليبلغنا بنتائج التحقيقات التي أجرتها السفينة الحربية البريطانية فلتشر «VULTURE» لقد اتضح ان مسؤولية الجرائم البشعة التي رفعت الشكوى بخصوصها إنما تقع جزئياً على عاتق منطقتي القطيف والبدع «BIDDA» التركيتين ولكنها تقع في معظمها على عاتق الزبارة «ZOBARAH» حيث ارسلت منها سفينتان بقيادة ابن الزعيم «الشيخ» لمهاجمة قارب عابر مملوك لقطر.
5 أكتوبر 1878 أبرقت حكومة الهند الى المقيم بما يلي: «بالإشارة الى برقيتك المؤرخة في 24 من سبتمبر: يُطلبْ إليك وضع البراهين والأدلة الكاملة أمام الحاكم التركي ضد زبارة واطلب معاقبتها عارضاً المساعدة البحرية إذا اقتضى الأمر. إذا رفض الحاكم تلبية الطلب فأبرق «لنا» بالإجراءات المفصلة التي تقترح القيام بها. وفيما يتعلق بالبحرين عليك التأكد التام من الحقائق ثم اعلمنا بمقترحاتك. أما ما يتعلق بزورق المقيمية فعليك استخدام السفن الحربية التي سيتم تعزيزها «بسفن حربية أخرى» إذا أمكن ذلك. انت مخوّل صلاحية استخدام القوّة لوقف أي أعمال قرصنة ترتكب مستقبلاً من البحر».
وفي رسالة تحمل نفس التاريخ 5 اكتوبر 1878 تم توضيح هذه التعليمات على الشكل التالي: «رداً «على برقيتكم» أمُرتُ بأن أبلغكم بأن حكومة الهند في حين لن تسمح بإقلاق سلام الخليج عن طريق حملات عسكرية حتى لو انطلقت من موانئ يملكها الأتراك فعلاً فإنها ترى أنه ينبغي الاتصال بالسلطات التركية المحلية قبل أن تصفي الحساب العسير مع زبارة وتنزل بها العقاب المطلوب. وبناء عليه يطلب منك أن تضع بين يدي الحاكم التركي تقرير قائد السفينة الحربية البريطانية فلتشر «VULTURE» وأي أدلة أخرى تثبت ضلوع ربارة في هذه الجريمة. عليك أن تطالب بأن ينزل بزبارة العقاب المناسب وأن تعرض تقديم المساعدة البحرية «الحربية» التي تستطيع تقديمها. وإذا امتنعت السلطات التركية عن اتخاذ أية خطوة في هذا السبيل فعليك أن تبلغ حكومة الهند بكل الحقائق مع وصف مفصل للإجراءات التي تقترح القيام بها. وإذا وقعت جرائم أخرى واستخدم البحر لارتكابها فأنت مخول صلاحية معاقبة المذنبين على الفور مهما كانت جنسيتهم.
«أما فيما يتعلق بالبحرين فقد أمرت أن أطلب إليك أن تتيقن وتتأكد من درجة اللوم والمسؤولية التي يتحملها الشيخ وأن تبلغنا بالنتائج لإعطاء الموافقة على الإجراءات العقابية التي تقترح اتخاذها».
17 أكتوبر 1878 طلب المقيم تعليمات جديدة إضافية تتعلق بنقاط معينة ترتبط باتصاله بالسلطات التركية. أبلغ رداً على طلبه «المؤرخ في 12 أكتوبر 1878» أن المقصود بهذه الاتصالات هو أن يخاطب حاكم البصرة الذي يجب أن يترك له ضمن حدود معقولة حرية اختيار طبيعة ومدى وتوقيت العقاب أما الدعم البحري البريطاني فيمكن تقديمه ولكن بشرط أن يستخدم الأتراك قواتهم النظامية. ينبغي عدم التدخل في شؤون البدو براً ولكن خولتم صلاحية القضاء على أعمال القرصنة المرتكبة في البحر.
11 من أكتوبر 1878 أفاد الكولونيل روس بأن السفينة الحربية فلتشر (VULTURE) أسرت 15 مركباً قرصانياً قبالة ساحل القطيف وسلمتها إلى الحاكم التركي. كما أسرت 3 مراكب أخرى وقاربين يمتلكها بنو هاجر وذلك جنوب القطيف وقد ثبت أن اثنين من المراكب يخصان البحرين. وافقت حكومة الهند على إجراءات المقيم وطلبت منه تقديم تقرير كامل حول هذه الإجراءات.
31 أكتوبر 1878 أرسل المقيم برقية أخرى حول «أحداث» زبارة: لقد عرض هو شخصياً أمام حاكم البصرة جميع الأدلة المتوفرة التي تدين ذلك البلد «زبارة». وقد تعهد الحاكم التركي بإنزال العقاب بها ولكنه أعرب عن رغبته في أن يتأكد أولاً من الأدلة والبراهين من مصادر مستقلة. عرض الكولونيل روس ROSS تقديم المساعدة البحرية لكن كان من الواضح أن الحاكم لم يكن راغباً في الاستفادة من هذا العرض وقد تعهد في الوقت نفسه بملاحقة المذنبين ومعاقبتهم أينما وجدوا. كما أن الكولونيل روس عرض على الحاكم التركي العمليات التي قامت بها السفينة فلتشر وأطلعه على اعتراف «إشعار استلام» حاكم القطيف الخطي باستلام المراكب المأسورة. قال الكولونيل روس إن هذه المعلومات حظيت بانتباه واهتمام الحاكم التركي في البصرة الذي تقبلها بروح ودية. رداً على هذه البرقية أمرت حكومة الهند الكولونيل روس بأن يبعث بتقرير حول الإجراءات التي قامت بها السلطات التركية لمعاقبة زبارة وفي حال رفضها القيام بذلك عليه أن يطلب منها تقديم أسبابها الداعية إلى الاحجام عن ذلك.

سقوط الزبارة
15 نوفمبر أرسل الكولونيل روس برقية قال فيها إن قائد السفينة الحربية البريطانية «عرب» ( ARAB) الراسية في البحرين كتب يقول إنه تلقى تقريراً يفيد بسقوط الزبارة في أيدي شيخ البدع «BIDAA» واللاجئ البحريني ناصر بن مبارك اللذين دخلاها على رأس قوة عسكرية كبيرة من البدو. وقال الكولونيل روس إنه يخشى من وقوع هجوم على البحرين التي سيتوجه إليها على ظهر السفينة الحربية البريطانية «تيزر» «TEAZER» وافقت حكومة الهند على هذه الزيارة وطلبت من الكولونيل روس أن يبقي على البحرين ملتزمة بتعهداتها التي نصت عليها المعاهدة. كما خول ثانية صلاحية المحافظة على السلام البحري في الخليج وأعربت عن رغبتها كذلك في الامتناع عن الدخول في العمليات «العسكرية» البرّية في الجزيرة العربية.
وطلبت حكومة الهند منه أيضاً أن يرسل كل ما يتوفر لديه من معلومات عن موقف الزبارة تجاه الحكومة التركية.
في 22 من الشهر ذاته (ديسمبر 1878) أرسل في بوشهر الكولونيل روس رداً يؤكد فيه وقوع الهجوم على الزبارة التي دمرت عن بكرة أبيها باستثناء قلعة قائمة خارج البلدة تدعى «مرير» (MOREYR)  حيث يتعرض سكان الموقع من قبيلة النعيم (NAIM) لحصار شديد. قيل إن الهجوم جاء رداًُ انتقامياً على أعمال القرصنة والغزوات التي شنت ضد البدع وليس انصياعاً لأمر من الحكومة التركية (الحاكم التركي للبصرة). جزع أهل البحرين جزعاً شديداً ولكن الكولونيل روس أعلن بما لا يدع مجالاً للشك أن أية محاولة للهجوم على البحرين ستردها السفن الحربية البريطانية على أعقابها بالقوة كما اتخذت إجراءات احتياطية (احترازية) تحسباً للطوارئ. وأرسل حاكم البصرة التركي كذلك إنذاراً إلى البدع يحذرها من مغبة مهاجمة البحرين. لم يتدخل الكولونيل روس في العمليات العسكرية البرّية أما بخصوص الزبارة فقد دون المقيم الملاحظات التالية:
«فيما يتعلق بتوجه الزبارة نحو الأتراك فحتى الآن لا توجد علاقات لأن مطالبة البحرين بالسيادة على الزبارة لم تسمح حكومة الهند باستمرارها عام 1874 وأنا أفترض أن الحكومة (الهندية) لن تعترض على إقامة سلطة تركية في ذلك الجزء من ساحل قطر. ربما ستؤدي الظروف الحالية إلى تحقيق ذلك إذا نظرنا إلى هذا (الاحتمال) من جميع النواحي فإن هذا سيكون الحل الأفضل وسيؤدي تقديراً إلى إنهاء تكرار أعمال القرصنة في البحرين. يتفق شيخ البحرين مع هذا الرأي. وأعتقد أن التدخل مستقبلاً لم يعد ضرورياً لإنزال العقاب بزبارة فقد أنزل عقاباً صارماً وكبيراً بذلك المكان.
على اثر صدور تعليمات حكومة الهند توجه المقيم البريطاني في بوشهر الكولونيل روس إلى البصرة يوم 22 أكتوبر 1878 بعد أن حصل على رسالة تقديم (تعريف) من الكولونيل نيكسون (NIXON) ليقدمها إلى الوالي. كما أمر (روس) السفينة الحربية فلتشر التي كانت قد عادت لتوها إلى بوشهر بعد أن أسرت مراكب القرصنة قبالة ساحل القطيف كما ورد في فقرة سابقة أمرها بأن ترافقه إلى البصرة لكي توضح الأمور إذا اقتضى الأمر ذلك. رحب الباشا (الوالي) بالكولونيل روس ترحيباً لائقاً وتبادل معه الزيارات وتباحث معه حول مشكلة زبارة. بخصوص هذه النقطة ليس هناك ما نضيفه إلى الملخص الوارد في فقرة سابقة من هذه الدراسة والذي يروي بتفصيل كامل ما جرى في اللقاءات التي تمت بينهما «بين الوالي والكولونيل روس» إلاّ أن الكولونيل روس أضاف الملاحظات التالية: «أعتقد أن الوالي كان مرتاباً في بادئ الأمر من أن اتصالاتي به بخصوص القراصنة وأنها كانت تخفي أمراً آخر. بذلت كل جهد ممكن لإزالة مثل هذه المخاوف من ذهنه وذلك بأن وصفت لسعادته مدى الأهمية التي تعقدها الحكومة البريطانية على أمن وسلامة هذه البحار وهو الأمن الذي بذلت لتحقيقه جهود وأموال كثيرة وأوضحت له كيف يمكن لأعمال النهب والقتل أن تدمر وعما قريب ثمار جهود أعوام طويلة إذا لم يوضع لها حد ويعاقب مرتكبوها وإذا تكررت على الرغم من أنها تبدو غير ذات أهمية بحد ذاتها».
«من المعروف عن عبدالله باشا الوالي التركي في البصرة أنه متعصب دينياً إلى أبعد الحدود وأنه غالباً ما يعرب علناً عن مشاعره المعادية للانكليز. فقد أعلمني المستر روبتسون أن ذلك جاء نتيجة وضع الباشا المعزول عن الأحاديث الوديّة التي كان يتبادلها مع الشخصيات ذات المركز الاجتماعي المرموق في البصرة. واقع المشاعر هذه يبدو في غير صالحنا حالياً إلى حد أجد معه من واجبي تجاه الحكومة أن أذكر هذه المسألة في تقريري».
«يبدو أن معظم الشخصيات من ذوي المعرفة والاطلاع على بواطن الأمور يوافقون على أن الشخص الوحيد القادر على المحافظة على الأمن والنظام في مقاطعة نجد وإخضاعها للحكومة التركية بالفعل هو ناصر باشا زعيم قبيلة المنتفق والموجود حالياً في القسطنطينية كما يعتقد أيضاً أنه سيكون جيد الموقف تجاه المصالح البريطانية خصوصاً إذا استطاع النفوذ البريطاني المساهمة في إعادة تعيينه باشا على البصرة».
التقرير التالي يعالج الظروف التي ورد تلخيص لها في فقرة سابقة والمتعلقة بالهجوم الذي شنّه شيخ البدع وناصر بن مبارك على الزبارة.
ما أن سمع الكولونيل روس بهذه التعقيدات الجديدة الطارئة حتى توجه إلى البحرين التي وصلها يوم 17 نوفمبر 1878. وهناك وجد السفينة «عرب» (ARAB) راسية هناك ووجد أن قائد السفينة (دِكِن) قد اتخذ الإجراءات الاحتياطية المناسبة. صعد الشيخ عيسى شيخ البحرين إلى ظهر السفينة تيزر (TEAZER) وطالب بإلحاح بأن نقوم بعمل ما دفاعاً عن الزبارة كما طلب أن يرافق الكولونيل روس في زيارته لتلك البلدة. وأصر الشيخ على أنه إذا احتل أعداؤه الزبارة (يقصد بأعدائه شيخ البدع وناصر بن مبارك) فإن البحرين ستصبح عرضة لخطر دائم يهددها في كل لحظة وستكون عرضة للهجمات المباغتة الفجائية. وأضاف قائلاً إن امتناع المقيم روس عن مد يد العون والدعم لأهل نعيم (NAIM) سيحولهم إلى أعداء. رفض الكولونيل روس جميع هذه المطالب وطلب إلى الشيخ أن يمتنع عن أي تدخل في شؤون زبارة وقد أغضب هذا القرار الشيخ وأزعجه كثيراً.
بعد ذلك توجه الكولونيل روس إلى الزبارة فوجد أن شيخ البدع وناصر بن مبارك قد جهزا قواتهما للهجوم على مُرَيْر. حول هذا الوضع (وما شاهده) في الزبارة كتب الكولونيل روس يقول: «في 18 من الشهر اصطحبني الكابتن وود هاوس في رحلة على ظهر السفينة «تيزر» إلى الزبارة حيث نزلنا هو وأنا إلى البر لزيارة معسكر جاسم بن محمد آل ثاني شيخ البدع. كان لديه حوالي (2000) ألفي رجل مسلح وكان يتمركز في خنادق تبعد حوالي نصف ميل عن قلعة مرير مربعة الشكل التي لجأ إليها أهل الزبارة من قبيلة نعيم (NAIM)  وهنا تعرض هؤلاء وعددهم حوالي خمسمائة (500) شخص لحصار محكم وكانوا ما يزالون تحت الحصار. يبدو أنه لم يقع أي قتال لأن خصوم النعيم (NAIM) كانوا يفوقونهم عدداً بفارق كبير جداً. أما الهارب (اللاجئ) البحريني ناصر بن مبارك فقد كان متمركزاً في مكان ما قريب من معسكر الشيخ عيسى ومعه عصابة أخرى من البدو لكن لم يكن بالإمكان رؤية معسكره. وأما بلدة الزبارة والتي يبدو أنها كانت بلدة كبيرة في وقت من الأوقات فكانت مدمرة عن بكرة أبيها. تبعد القلعة المسماة (مرير) حوالي ميل واحد عن البلدة وعن الداخل. لم يتبق أية قوارب في الزبارة وقد بلغنا أن عدداً منها قد اشعلت فيه النار وأحرق».
من الجدير بالذكر في هذا المجال أن الكولونيل روس ( ROSS) كان أبرق قبل مغادرته بوشهر إلى المعتمد السياسي في شبه الجزيرة العربية الخاضعة للحكم التركي (TURKISH ARABIA)  وإلى المستر روبرتسون في البصرة يطلب إعلام عبدالله باشا بما حدث وإعطاءه بذلك الفرصة للقيام بعمل حاسم وفوري. حين عاد إلى البحرين يوم 19 نوفمبر وجد (الكولونيل روس) البرقية التالية من الوالي التركي بانتظاره مرفقة بطلب يرجو فيه الحاكم إحالتها إلى القائم مقام التركي في القطيف:
«من الواضح أن جاسم بن محمد بن ثاني شيخ البدع ومعه ناصر بن مبارك الذي كان قد طرد من البحرين قد هاجما الزبارة بعدد من الجنود علماً بأن الزبارة هي إحدى ملحقات البدع وأنهما يستعدان للهجوم على البحرين أيضاً. ومع أن الموجودين في البحرين سيكونون قادرين على منع المهاجمين إذا هاجم هذان البحرين فإن هذا التحرك ينطوي على مصاعب وعراقيل. هذا ما قاله القنصل البريطاني العام في بوشهر الذي سيتوجه هو شخصياً أيضاً إلى البحرين. إذا تأكد صحة هذا الخبر فإنه لن يكون مقبولاً على الإطلاق ولن يسمح له بأن يمر بدون العقاب على الرغم من أن الأمن والسلام أمران مرغوب فيهما إلى أبعد الحدود وضروريان جداً في تلك الأنحاء. يطلب إليك ــ الكلام موجه من روس الى قائد السفينة الإسكندرية ــ أن ترسل على الفور السفينة (الحربية) «الاسكندرية» محملة بعدد من الجنود إلى الزبارة وذلك لإنذار وتحذير سيطرة العصاة المتمردين على تلك المناطق. عليك ان تبذل أقصى جهدك لتهدئة المنطقة والحفاظ على أمنها وسلامتها وأن تعلمني بما تتخذه من إجراءات ثم تبلغني بالنتائج على الفور».
سلم الكولونيل روس الرسالة إلى قائد الزورق الحجبي التركي «الاسكندرية» التي وجدها راسية في رأس تنورة ووعد بالإبلاغ عن الإجراء الذي تتخذه السلطات التركية المحلية بمجرد أن يعلم به. أنهىالكولونيل روس رسالته بأن أوصى بإقامة موقع (مركز) عسكري تركي في الزبارة أو المناطق المجاورة لها باعتباره أفضل وسيلة للمحافظة على الهدوء الدائم في المنطقة. وقد أعرب زعيم البحرين عن موافقته على هذا الرأي.
أما أعمال القرصنة التي ارتكبها بنو هاجر وآخرون والتي تم الإبلاغ عنها في الرسالة والبرقيات المتعددة التي أرسلها الكولونيل روس فلا تتطلب في معظمها تدويناً مفصلاً. تجدون قائمة كاملة بهذه الأعمال في البيان المجدول الملحق بهذه المذكرة. يظهر أن الظهران ZAHRAN وهي تلة تبعد مسافة 20 ميلاً إلى الجنوب من القطيف والزبارة تتمتعان بسمعة بالغة السوء باعتبارهما المكانين الرئيسيين اللذين تلجأ إليهما قبائل القرصنة.
غير أن هناك مجموعتين من أعمال القرصنة تتضمنهما هذه القائمة لا يمكن المرور عليها دون إبداء بعض الملاحظات.
المجموعة الأولى تعالجها الرسائل وغيرها من المراسلات المدونة ولا بد من تدوينها لأن شيخ البحرين ورعاياه كانوا متواطئين فيها.
أثبتت التحقيقات التي قام بها الكابتن جونسي من طاقم السفينة الحربية فلتشر النتائح التالية:
في 4 سبتمبر 1878: قام محمد بن راشد بن جبّه ابن شيخ الزبارة بالصعود عنوة إلى ظهر قارب يخص أهل قطر وقد فعل ذلك في نقطة قريبة من الزبارة وفي عرض البحر. وقد قتل نتيجة هذا الحادث 3 اشخاص وجرح 5 وسرقت ممتلكات بلغت قيمتها أكثر من 700 دولار.
كان شيخ الزبارة يراقب العملية الهجومية هذه من على قمة قلعته وقد وبخ ابنه لأنه لم يجهز على جميع من كانوا في القارب ويحرقه بدل إحضاره إلى الشاطئ ليكون شاهداً على فعلته. كما استضاف شيخ البحرين ليقوما برحلة بحرية حول الجزيرة. خرج القاربان من مياههما الإقليمية وتوجها إلى «الظهران» على بر شبه الجزيرة العربية وهناك احتدم صراع بين رجال القاربين وبين بعض البدو واستولى ركاب أحد القاربين على القارب الآخر. كانت ذريعة (الشيخ) أن القاربين ذهبا إلى الظهران بدون موافقته أو أوامره. أبلغه الكابتن جونسي بأنه (الشيخ) مسؤول عن تصرفات أتباعه وقد وعد الأخير بأن يقدم قادة العملية الثالثة إذا طلب منه ذلك.
وفي 4 سبتمبر 1878 صباحاً غادر البحرين بناءً على أوامر الشيخ قارب يسمى «أمر فوق؟» (AMIRFUK)  وقارب يدعى سلمى (SALMAH) يخصان رئيس البازار ومعهما قارب سحب صغير للقيام بجولة بحرية باتجاه فشت الديبل كانت هذه القوارب تنقل حوالي 150 رجلاً يرافقهم علي بن عيسى بن طريف وسعيد بن أحمد رئيس البازار وسلطان بن سلامة. توجهوا بعد وصولهم إلى فشت الديبل إلى رأس ركحان (RAS REKHAN)  وهناك التقيا بقاربين يملكهما أحد مواطني عمان. أمروهما بإلقاء مرساتيهما ولما رفض القاربان الانصياع أطلقت القوارب البحرينية عليهما النار مدعية أنها فعلت ذلك لاعتقاد من كان فيها أن القاربين يخصان قبيلة بني هاجر. اصيب رجل كان علىأحد القاربين إصابة بالغة في ذراعه. بعد ذلك توقف القاربان وحين وصلت القوارب البحرينية إلى القاربين وجدت أنهما ملك لقبيلة زايد بن خليفة (من أبوظبي). وهنا أيضاً برر شيخ البحرين هذا التصرف بقوله إن رجاله عصوا أوامره. وقد وافق الشيخ على تسليم قادة القوارب إذا استدعى الأمر ذلك.
أبلغ الكولونيل روس عن الإجراءات التي اتخذت لمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم. أجبر زعماء العصابة على دفع غرامات وأُمروا بدفع تعويض للبحار الجريح من أبوظبي كما أرسلت رسالة اعتذار من شيخ البحرين إلى شيخ أبوظبي.
القضية المتبقية هي تلك المبلغ عنها في 27 نوفمبر 1878 والمتضمنة لمراسلات تم تبادلها بين الكولونيل روس والمستر ميلفل القائم بالأعمال في بلاد السند. موضوع هذه المراسلات هو الهجوم الذي شنّه قراصنة في منطقة تبعد حوالي ميلين إثنين عن القطيف شنّوه على قاربين هما «هارسنغار» و«فلتخار» FULTEHKAR يخصان رعايا بريطانيين وكانا يقومان برحلة العودة وإلى كراتشي من القطيف. سرق القراصنة من «الهارسنغار» ما قيمته 200 روبية من الممتلكات في حين لم يفقد فتخار شيئاً ولكن أطلقت النيران على من بداخله. طالب المستر ميلفل بقوة بالتعويض ورفع هذه المظلمة باعتبار أن المتضررين كانوا من الرعايا البريطانيين. أعلمه الكولونيل روس رداً على طلبه أن مرتكبي هذا العمل هم من البدو والمقيمين في المناطق الخاضعة لحكم الأتراك وأنه يظهر أن الجريمة ارتكبت داخل المياه الإقليمية التركية. وقد اثيرت هذه القضية لدى السلطات التركية عن طريق المعتمد السياسي في شبه الجزيرة العربية الخاضعة للحكم التركي. وأضاف (روس) قائلاً إن السفينة الحربية «فلتشر» أنزلت عقاباً شديداً بقراصنة القطيف وأنه يؤمل أن تتعهد السلطات التركية باتخاذ إجراءات أخرى لإنزال العقاب بالمذنبين والتعويض عن خسائر المتضررين.

    

 

 

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث