b_100_58_16777215_01_images_image_LS1(4).pngكثير من الأحيان تسيطر المخاوف غير المبررة على بعض الأشخاص لدى تحدثه أو عمله شيئاً ما أمام التجمعات في المناسبات أو قاعات الدرس أو في المواقف التي يشعرون فيها بأنهم تحت المجهر وأن الكل ينظر إليهم فيخاف أن يظهر عليه الخجل والخوف أو أن يخطئ أو يتلعثم ما يؤدي به للارتجاف وضيق التنفس وجفاف الحلق والتعرق وغيرها من الأعراض التي تشيع لدى كثير من الناس. ويعرف علم النفس تلك الأعراض باسم «الرهاب الاجتماعي» وهو من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً ويصيب نحو 10 % على اختلاف الأنواع والجنسيات ويدفع المصابين به إلى التوقف عن مواجهة الآخرين وإبداء آرائهم علانية.
مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي بدا أنها منصة مناسبة لتلك الفئة فاتخذوها ستاراً يتخفون وراءه للتعبير عن آرائهم وأفكارهم بشكل جريء ومباشر بعيداً عن المواجهة. في الحقيقة ساعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً من هؤلاء على إبداء آرائهم بطلاقة بلا خوف فهم يجلسون وراء قناع يستر شخصياتهم الحقيقية ما يجعلهم ينطلقون في التعبير بسهولة يكتبون ويناقشون ويطرحون المواضيع. عن دور وسائل التواصل في علاج الرهاب الاجتماعي أو مساهمتها في زيادته كان لنا هذا التحقيق..
ناصر علي طالب في كليات التقنية العليا يقول: في الأغلب أرغب في التحدث كتابة على «فيسبوك» و«تويتر» لأنني أشعر بالخجل والخوف الشديدين من الكلام مباشرة أمام الناس وما زال هذا الشعور يكبر معي يوماً بعد يوم ويظهر ذلك من خلال ملامحي لذلك ابتعد بقدر المستطاع عن التحدث مع الأشخاص في مواضيع متعددة ودفعني ذلك إلى اللجوء لوسائل التواصل للتعبير عن رأيي بلا خجل كما يحدث في العادة حين أتحدث معهم.
وجدت مريم محمد معلمة رياض الأطفال في وسائل التواصل الطريقة الأفضل للهروب من المواجهة بشكل مباشر تقول: «ليست لدي القدرة على طرح رأيي في مشكلة أو موضوع معين أمام الآخرين ووجدت في مواقع التواصل ملاذي للتعبير عن نفسي والتواصل وطرح الآراء والنقاش كما أن تركيزي وطريقة تفكيري وتعبيري بالكتابة أفضل وأكثر راحة من التحدث بشكل مباشر».
الخجل والقلق والخوف من الخطأ مشاعر دفعت محمد علي سيف موظف إلى البحث عن بديل لإعلان الآراء والتعبير عما داخله أفضل من المواجهة المباشرة. يقول: «وجدت أن «فيسبوك» وسيلة تواصل مفتوحة أستطيع التعبير من خلالها عما أريد وأنشر على صفحاته رأيي في أي قضية أو موضوع من دون تردد» مؤكداً أن مواقع التواصل ساهمت بشكل كبير في حل مشكلات العديد من الأشخاص للتحدث بحرية.
ربّات المنازل أيضاً وجدن في المواقع الاجتماعية نافذة للتعبير عن رأيهن وأصبحن يفضلنها على التحدث أمام الآخرين. ليلى البلوشي إحدى هؤلاء تقول: «أستطيع التعبير عن أفكاري بالكتابة بشكل أفضل من التحدث أمام الآخرين كما أستطيع المناقشة بطريقة حضارية غير تلك الموجودة في الواقع. لذلك ألجأ إلى وسائل التواصل للنقاش والتحدث في كثير من المواضيع بلا حرج حتى إن جميع أصدقائي يعرفون تفاصيلي اليومية ويشاركونني جميع مناسباتي. لذلك وجدت في وسائل التواصل بأنواعها علاجاً لخوفي وخجلي الاجتماعي».
أما آيات جميل الموظفة في وزارة الصحة فتقول: في الحقيقة ظهور وسائل التواصل ساعد كثيراً من الناس على إبداء آرائهم بطلاقة بلا خوف كأنهم يجلسون وراء ستار حيث النقاش أسهل خلافاً للمواجهة المباشرة التي تربكني خوفاً من إعطاء معلومة خطأ أو شرح لا يوصل ما أريد. لكن عبر تلك المواقع لا أشعر بتلك الرهبة بل العكس اكتب وأناقش بحرية وبسهولة وأطرح مواضيع للنقاش ممكن الاستفادة منها مشيرة إلى وسائل التواصل كانت بمثابة علاج لها ولصديقاتها من مشاعر القلق والخجل التي تسيطر عليهن والعزلة التي تسببها تلك الأعراض.
جمال فتحي متخصص بمواقع التواصل الاجتماعي يقول: «السوشيال ميديا وسيلة اتصال وتواصل وتفاهم وتعارف وانسجام بين ملايين لا يجمعهم سوى الرغبة في التواصل والمعرفة تحت قناع الشبكة العنكبوتية وفتحت مواقع التواصل الاجتماعي الفضاء لهؤلاء الذين أمضوا حياتهم وأوقاتهم في الظل والخفاء والهامش الاجتماعي سنوات طويلة فوجدوا فرصة ومساحة كبيرة للظهور على الملأ بل وتكوين جمهور ومنابر يتحدثون منها كالمنتديات والجروبات وغيرهما أو حتى التعبير بشكل فردي على صفحاتهم وحساباتهم عن أفكارهم وآرائهم ومعتقداتهم بل وثقافتهم وتصوراتهم الخاصة من دون سقف أو حدود وتبادل المعارف والمعلومات المغلوطة حتى وصل الأمر إلى تكوين شعبية وجمهور كبير».
ويضيف: «في مقابل ذلك هناك بلا شك عدد لا بأس به من هؤلاء الملايين الذين وجدوا أنفسهم أمام طوفان من الانفتاح على العالم والجماهير من دون أن يكون لديهم القدرة من الأساس في الواقع على الاتصال والتواصل الجيد بمعناه الإيجابي الصحي والحقيقي مع الناس أو المجتمع أو تكوين علاقات اجتماعية ناجحة مع الغير المختلفين عنهم وهؤلاء فاقدون أساساً لمهارة التواصل المباشر والتعبير بسلاسة وصراحة وثقة واتزان مع الآخر والمواجهة الاجتماعية الحية وجهاً لوجه؛ إما لضعف مهارة التواصل والذكاء الاجتماعي وإما لضعف الثقة بالنفس وبالإمكانات وربما يعاني كثير من هؤلاء عُقداً ومشكلات نفسية تصل إلى حد الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى طبيب متخصص».
ويتابع: «لم يكن أمام هؤلاء إلا التعبير والتواصل مع الآخرين عبر تلك المواقع من خلف قناع يخلص كثير منهم من عبء المواجهة المباشرة مع الشخص أو المجموعة ويرحمهم من حتمية اللجوء لمهارات اجتماعية ليست لديهم في الأساس وتواصل لا يشعرهم بعجز أو إحباط أو شعور بالنقص أو خوف من احتمالات الفشل الاجتماعي وربما عانى بعضهم أيضاً نقصاً ما أو عيباً في الشكل أو الملامح أجبرهم على العزلة والانطواء وهؤلاء تحديداً وجدوا الحل السحري في الحضور من خلف أقنعة تتفاوت درجاتها إما ظهور زائف تماماً بدءاً من الاسم والصورة والبيانات التي يظهر بها صاحب الحساب أو نصف قناع كأن يظهر باسمه الحقيقي لكن دون صورة مكتفياً بصورة طفل أو وردة أو منظر طبيعي وهؤلاء يتفجرون نشاطاً ومشاركات وتعليقات وصراعات واشتباكات وتراشقاً بالألفاظ وربما سباب وتحرشات معبرين بأمان تام عن مكنون صدورهم وهواجسهم وأفكارهم وشطحاتهم من دون خوف أو شعور بالضعف من أي نوع».
يعرّف د.إحسان الرفاعي أستاذ علم النفس الرهاب أو الخوف الاجتماعي على أنه اضطراب يظهر عند الإنسان في حالة اجتماعه مع عدد من الأشخاص في موقف ما وتظهر عليه مجموعة من الأعراض النفسية تتراوح شدتها مع شدة هذا الاضطراب لديه. وتتمثل معظم الأعراض في التوتر والتعرق وبرودة الأطراف مع حركة غير عادية في العين فضلاً عن التلعثم والنسيان وقلة التركيز.
ويقول: «اعتياد الإنسان على العمل وحيداً لفترة طويلة والابتعاد عن المشاركة الاجتماعية يؤدي إلى تقوقع الشخصية وبناء حاجز نفسي صلب تجاه الآخرين يمنع التبادل الاجتماعي مع الغير سواء العائلة أو الأصدقاء أو زملاء العمل. وبالتالي يحيط نفسه بمجموعة من قواعد الثبات الانفعالي تجعل من الصعب عليه لاحقاً أن يشارك اجتماعياً أو يتبادل الحديث أو حتى الظهور بالمظهر المناسب للحدث الاجتماعي ما يؤدي إلى غياب التوازن والاضطراب النفسي المؤدي لاحقاً إلى الابتعاد أكثر وأكثر عن الاختلاط والتفاعل والمشاركة. وهنا يتحول هذا الاضطراب من سوء تكيّف اجتماعي إلى اضطراب في الشخصية. وينعكس استخدام التقنيات في التواصل سلبياً على الأفراد الذين لا يقومون بأنشطة التوازن النفسي مثل الانخراط في النشاطات والتقاء الأصدقاء ما يزيد شدة تأثير هذه الأعراض الانعزالية وبالتالي شدة الاضطراب». ويوضح الرفاعي أن التخلص من آثار الرهاب الاجتماعي بسيط وممكن مهما اختلفت شدة تأثيره على الإنسان وذلك من خلال برامج إرشادية وعلاجية على يد متخصصين.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث