b_100_68_16777215_01_images_image_M2(7).pngبقلم: عبدالجبار السامرائي

الرِّقُّ في لغة العرب هو العبودية. وأصل العبودية: الخضوعُ والذلّ.
والرِّق كما عرّفهُ فقهاء الإسلام: عجز حكمي يصيب من يقع أسيراً في حربٍ مشروعة وهو عجز مؤقت يزول بالفداء والعتق.
والرِّقُّ كان نظاماً شائعاً في اليونان وكان أهل «أسبرطة» قُساة في معاملة أرقّائهم حتى ان عددهم اذا زاد عند سيِّدهم من الأسرى كان من حقّه أن يقتلهم ولا يُبقي الَّا على من يحتاج اليهم.
ومن الغريب أن فلاسفة اليونان وفي مقدمتهم أفلاطون وأرسطو أقرّوا الرق وعدّوه ضروريًّا ونظروا الى الرقيق على أنهم صنف خسيس من البشر خلقهم الله ليكونوا عبيداً.
ثم جاء القانون الروماني وأباح الاسترقاق كما أباح للدائن أن يستولي على مدينه وأن يسترقّه اذا كانت أملاكه لا تفي بالدين. كذلك جرى الفُرس على نظام الاسترقاق وأباحوا للسيد أن يُعذِّب عبده أو يقتله اذا هفا للمرة الثانية.
ثم جاءت المسيحية فأقرّت الرِّقّ وأوصت الأرقّاء بالصبر على العبودية والرضا بها.
وعند العرب قبل الإسلام كان الرِّق نظاماً متعارفاً عليه وكان مصدره الأسر وكان العرب يستخدمون العبيد في الأعمال ويبيعونهم ويتزوجون السبايا بغير صَداق ويستولدونهن.
واليوم لا تزال بعض الأمم تستعبد شعوباً على الرغم من تصاعد الدعوات في العصر الحديث الى المساواة ولا تزال ولايات تُفرِّق بين البيض والسود تفرقة تنكرها الانسانية.
ودرج الكثير من الباحثين الغربيين الى مقارنة تجارة الرقيق التي كانت سائدة في غرب أفريقيا بتلك التي كانت في شرقها وخلطوا عَمْداً بينها وبين الرِّق في الإسلام وزعموا أن الإسلام يُبيح الرِّق وأنه أفسح المجال للاتجار فيه باعتباره حقًّا من الحقوق الدينية وأن المجتمعات الشرقية الإسلامية قد أقرّته وعدّته جزءاً لا يتجزأ من تقاليدها ونظمها وبنيتها الاجتماعية.
ولاشك أن هذا الخلط المتعمَّد بين تجارة الرقيق في أفريقيا والرق في الإسلام يهدف الى الاساءة للإسلام والمسلمين والى التشويه المتعمَّد لتاريخ العرب المسلمين في أفريقيا والنيل من العلاقات العربية - الأفريقية. وقد سار على نهج هؤلاء الباحثين الغربيين بعض الباحثين العرب.

مصدر تجارة الرقيق ومسارها
تُعدُّ أفريقيا الشرقية المصدر الرئيس لتجارة الرقيق في الخليج العربي الذي يُعدُّ المعبر الأساس لتلك التجارة الى أسواق المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية والعراق وإيران والهند. وأرجعت المصادر التاريخية المتداولة ظهور وازدهار تجارة الرقيق في شرق أفريقيا والخليج العربي الى استيلاء العمانيين على زنجبار وجزيرة «بمبا» Pemba أو الجزيرة الخضراء في أواخر القرن السابع عشر الميلادي اذ تحولت زنجبار تحت حكم اليعاربة ومن بعدهم آل بوسعيد الى سوقٍ للعبيد وأصبحت في أيام سيد سعيد بن سلطان أكبر مركز لتجارة الرقيق في الشرق.
وكانت هنالك خطوط منتظمة من قوافل العرب التجارية التي تربط بين الساحل والداخل فتصل الى جهاتٍ بعيدة من قلب القارة الأفريقية كالبحيرات الاستوائية. وكثيراً ما كان المغامرون من التجار العرب يتجاوزون تلك المناطق فيصلون الى الأجزاء العليا من نهر الكونغو والنيل وسط الغابات الكثيفة وفي ظروف مناخية وطبيعية شاقّة بحثاً عن الرقيق والذهب والعاج. وتمكن التجارُ العرب من بسط سيطرتهم الاقتصادية على منطقة البحيرات الاستوائية واعتمدوا على القبائل الأفريقية في نقل العاج الى الساحل كما كان شيوخ القبائل لاسيما «البانتو» يبيعون أسراهم من أفراد القبائل التي يغيرون عليها للتجار العرب على سبيل التبادل التجاري وكانت بعض القبائل الأفريقية تعاقب أفرادها الذين يرتكبون جرماً كبيراً خلافاً لأعرافهم القبلية بالاسترقاق.
وأجمعت المصادر التاريخية على أنّ جلب الرقيق الى زنجبار وغيرها من المناطق الساحلية الشرقية كان يتمّ من ضفاف البحيرات الاستوائية في شرق القارة الأفريقية عبر ثلاث طرق رئيسة:
 1 - الطريق الأول: يمتدّ من «كلوة» على الساحل الجنوبي من زنجبار عن طريق نهر «دوفوما» الى «كرال متاكا» ومنها الى بحيرة «نياسا».
 2 - الطريق الثاني: يمتد من «باجاوموير» الى «تسيساكي» و«بتورا» ومنها غرباً في اتجاه «أوزينجا» و«أوجيجي».
 3 - الطريق الثالث: يمتد من ساحل «تانجا» الى جبال «كليمنجارو» ومنها الى بلاد «مساي».
وبعد جلب العبيد من المناطق الداخلية الى المناطق الساحلية في شرق أفريقيا يتمّ شحنهم بالسفن الى زنجبار لبيعهم هناك. وكان يوجد في شرق أفريقيا مركزان هامَّان لتجارة الرقيق هما «كلوه» و«زنجبار». وتعدّ كلوه الميناء الرئيس لاستيرادهم من داخل القارة الأفريقية وكانت تقام أسواق كبيرة لبيع وشراء الرقيق في تينك المدينتين.
ومع انطلاق واشتداد رياح المحيط الهندي التجارية الموسمية الشمالية الشرقية تبدأ السفن العربية ذات الشراع المفرد الثلاثي الشكل «المعروفة «بالداو» Dhow وغيرها من السفن الهندية الوصول من سواحل الهند وشواطئ الجزيرة العربية والخليج العربي الى زنجبار وسواحل أفريقيا الشرقية وكثيراً ما كانت تلك السفن تكون محمّلة بالتمور المجلوبة من البصرة والبحرين لبيعها في شرق أفريقيا وشراء العبيد بأثمانها.
وبعد بضعة أشهر يقضيها التجار في جلب وشراء الرقيق والبضائع كالذهب والعاج من داخل أفريقيا تبدأ الرياح الجنوبية الغربية بالهبوب فتدفع بتلك السفن مرة أخرى الى سواحل الهند وشواطئ الجزيرة العربية والخليج العربي. وقد انتفع البحارة والتجار العرب والهنود كثيراً من هبوب تلك الرياح الموسمية التي كانت عاملاً رئيساً في تنشيط التجارة آنذاك بين الهند والجزيرة العربية من جهة وسواحل أفريقيا الشرقية من جهة أخرى.
وكانت عُمان مركزاً هامًّا لتجارة العبيد وتوزيعهم الى سائر البلاد ولا سيما الهند والصين.
وكانت «مسقط» بالذات سوقاً رائجةً للعبيد في أوائل القرن التاسع عشر وكانت تصدرهم الى منطقة الخليج العربي كلّها والى العراق وإيران غير أن هذا المركز تقلّص عندما أخذت تنافسه مدينة «صُور» الواقعة الى الجنوب من مسقط وأصبح غالبية العبيد المجلوبون لعمان ينزلون في ميناء صور وكان الرقيق يباع في سوق خاص يعرف بـ«سوق العبيد» يعرض فيه النخّاسون تجارتهم ويصنّفون رقيقهم الى زمر تعرف كلّ زمرة بمزاياها وخواصّها وكان الرقيق يقف على منصّة ليراه الشارون ثم ينادي النخاسُ عليه فيشتريه من يدفع ثمناً أعلى أي بالمزايدة. وقد انتشرت سوق الرقيق هذه في المناطق الساحلية وتفرّق بعضها في المناطق الداخلية وكانت هناك أسواق خاصة لبيع الرقيق داخل بيوت يمتلكها تجار الرقيق في المدن الكبرى وكان الرقيق الجيّد يباع في تلك البيوت الخاصة اذ ان بيعه في سوق عام كان يُعدّ بمثابة عقوبة وحطّ من قدره ويقلّل من ثمنه.
أما المشتري فكان يحقّ له أن يُقلِّب العبد أو الأَمَة بنظره ويده كما يُقلّب أي سلعة يريد شراءها. وكثيراً ما كان النخاسون يلجأون الى الحيلة والتدليس في اخفاء عيوب الرقيق ولاسيما الاماء.
ودرج البائعون والمشترون في البلاد العربية على ألَّا يفرّقوا بين أفراد الأسرة الواحدة من الرقيق اذ يتمّ أخذهم جميعاً الى بيت كبير واحد أو بلدة واحدة.
وجاء في تقرير «الميجور ديفيد ويلسون» المقيم البريطاني في الخليج العربي عام 1831 أنّ عدد الاناث كان ضعف عدد الذكور.
وكثيراً ما كان المحسنون من العرب المسلمين يقومون بشراء كبار السنّ من العبيد ويقومون باعتاقهم لوجه الله تعالى.
أما أسعار الرقيق فكانت تتفاوت حسب العرض والطلب وتحدد وفقاً لأجناسهم وأعمارهم ومنشأهم. كما كانت تتحكم فيها الظروف البيئية والمعيشية لكل منطقة. فبينما كانت ترتفع أسعار الرقيق الأحباش لاسيما الاناث فتصل الى 300 ريال في المدن كانت تتدنى أسعار الرقيق الزنوج المجلوبين من أواسط أفريقيا لاسيما الذكور فتصل الى أقل من 100 ريال.

تجارة الرقيق المصدّر الى الخليج والجزيرة العربية
تفاوتت تقديرات الباحثين لأعداد الرقيق المجلوبين من شرق أفريقيا لمنطقة الخليج العربي والجزيرة العربية تفاوتاً بيّناً فارتفع حدّها الأقصى عند البعض فوصل الى 30.000 وانخفض عند البعض الآخر فلم يتجاوز 1400.
ويبدو أن هذه التقديرات تنقصها الدقة ولا تعدو أن تكون تكهنات وتخرّصات تدل على مواقف الباحثين من تجارة الرقيق أكثر منها تقديرات لأعداد وحجم التجارة الحقيقية.
أما عن الجدوى الاقتصادية لتلك التجارة فكثيراً ما تشير المصادر التاريخية اليها باعتبارها مورداً اقتصاديًّا هامًّا لأهل الساحل العماني لاسيما في عهد سيد سعيد سلطان عُمان الذي تؤكد معظم المصادر المعنية أنه كان يجني منها أرباحاً طائلة ويبدو أن هذه النظرة لا تعدو أن تكون انطباعاً عامًّا أكثر منها اثباتاً لحقيقة تاريخية. فمن الواضح أنه لا توجد احصائيات أو ارقام دقيقة يمكن الاعتماد عليها في تحديد أعداد الرقيق الحقيقية أو الأرباح التي كانت تدرّها تجارة الرقيق على أهل المنطقة.
فبينما يذكر «لاندن» أن أرقام معدل مبيعات العبيد في مسقط قد بلغت في الثلاثينات من القرن التاسع عشر 4000 عبد في السنة وأن سيد سعيد سلطان عمان قد جنى منها أرباحاً تصل الى 60000 ريال نمسوي في العام يورد «جون كيلي» بعض التقديرات التي قام بها أحد الضباط البريطانيين هو «الميجور ديفيد ويلسون» المقيم البريطاني في الخليج عام 1831 والذي كانت له علاقة وثيقة بهذه التجارة يقول: انه كان يمرّ عن طريق جمارك مسقط ما بين 1400 و1700 عبد سنويًّا وكان يتحصّل مبلغ ريالين نمسويين كرسم استيراد عن كل عبد.
أما «بيليني» الذي خلف «ويلسون» كمقيمٍ بريطاني في الخليج العربي فيقدّر عدد العبيد الذين تمّ شحنهم من زنجبار خلال عام 1832 - 1833 بـ12000 عبد دون أن يحدد عدد الذين وصلوا منهم الى منطقة الخليج العربي.
وقدّر الكابتن «كوجان» من الأسطول الهندي والذي كان في زيارة لزنجبار عام 1839 عدد العبيد الذين كانوا يشحنون سنويًّا من هناك الى أقطار البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية والخليج العربي وإيران بنحو العشرين ألف عبد وتوصل الدكتور «ماكنري» الذي كان يشغل منصب المقيم بالوكالة في السنة التالية الى هذه التقديرات نفسها في الوقت الذي قدّر فيه اللفتنات كولونيل «روبرتسون» المقيم بالوكالة في الخليج العربي عام 1841 صادرات العبيد من زنجبار بنحو ثلاثين ألف عبد. وأشار الكابتن «همرتون» في تقرير له في مايو 1841 الى أن عدداً يتراوح ما بين 11000 و15000 عبد كانوا يُباعون في ممتلكات سيد سعيد بأفريقيا كلَّ عام.
وحسب تقديرات «بركس» قائد أسطول الخليج والذي توصل الى الرقم السابق نفسه فان نحو 5000 عبد من أولئك العبيد كانوا يتوجّهون الى موانئ البحر الأحمر وعلى الأخص الى «جدّة» ونحو 4 أو 5 آلاف الى مسقط ونحو 500 عبد الى الموانئ الجنوبية من شبه الجزيرة العربية مثل عدن والمكلَّا. كما كان يتمّ شحن 1000 عبد الى بلاد السند والهند. أما الجزء الباقي فكان يتمّ بيعهم داخل عمان والساحل أو في المناطق العليا من الخليج العربي.
ويعتقد «بركس» أنّ سفن الكويت والبحرين كانت تعود من أفريقيا بنحو 300 أو 400 عبد كلَّ عام بينما كانت تعود سفن لنجة وبندر عباس وقشم وغيرها من الموانئ الإيرانية بنحو 480 أما سفن ما أُطلق عليه «ساحل القراصنة» والتي كان عددها يتراوح ما بين 5 الى 7 سفن فقد كان كلٌّ منها يعود من الرحلة بنحو 35 أو 40 عبداً في السنة.
يُشار الى أن ثراء «سيد سعيد بن سلطان» سلطان عمان يرجع أساساً الى اتساع وغنى ممتلكاته وليس لاتجاره بالرقيق كما يعتقد البعض. وقد كانت التجارة المشروعة هي السمة الغالبة لسلطنة زنجبار التي قامت على أسسٍ اقتصادية وانتشرت فيها المحطات والمراكز التجارية على امتداد السلطنة لتسهيل عملية التبادل التجاري التي شملت أنحاء السلطنة الأفريقية كافة.
وعلى الرغم من أن كثيراً من المصادر والمراجع الأوروبية تعطي انطباعاً خاطئاً عن نشاط العرب في شرق أفريقيا وتصوّره بأنه كان يستهدف التسلط والاستغلال فضلاً عمّا كان يتميزُ به من قسوة الَّا أن الدراسة المنصفة تؤكد بوضوح أن العرب ولاسيما سيد سعيد بن سلطان سلطان عُمان قد لعبوا دوراً بارزاً في حمل لواء الحضارة العربية الإسلامية الى أفريقيا وأنهم كانوا بمثابة الرواد الأوائل لمحاولات الكشف عن المناطق الداخلية في أفريقيا.
ومن المعروف أن سيد سعيد قد استخدم الرقيق في القيام بأمر مزارعه في أفريقيا والهند لاسيما في جزيرتي «بمبا» و«زنجبار» ولكن من غير الثابت أنه اعتمد على الاتِّجار بالرقيق.

أعمال الرقيق
لما كان اقتصاد امارات ساحل الخليج العربي -قبل ظهور النفط في القرن العشرين- اقتصاداً تقليديًّا لذلك تزايدت نسبة الطلب على الرقيق حيث كانوا يعملون في صيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ والرعي والزراعة وصناعة السفن والأعمال المنزلية.
وفي المناطق الزراعية حيث كانت وسائل الري بدائية برزت الحاجة الماسة لخدمة الرقيق المستمرة. وفي المدن كان الرقيق يعملون خَدَماً في المنازل وكان الرقيق يقومون برعي الابل وسقايتها وبأعمال أخرى مثل حراسة شيوخ القبائل والزعماء والمشاركة في الحروب المحلية وكان بعضهم يقوم بأعمال الطهي والبعض الآخر يُعهد اليه تربية أطفال سيده اذا عرف بالاستقامة والاخلاص.
ويعدُّ استخدام الرقيق في هذه المجالات من الظواهر الاجتماعية التي كانت سائدة ومعروفة في مجتمع الخليج العربي وكان امتلاك الرقيق في حدّ ذاته بصرف النظر عن الأعمال التي يقوم بها يُعدُّ وجاهةً اجتماعية وثروة اقتصادية وكلما ازداد عدد الرقيق ارتفعت مكانة المالك الاجتماعية.

معاملة الرقيق
تكاد تجمع المصادر التاريخية على أن معاملة عرب الخليج للرقيق لم تكن قاسية بل وصفها البعض بأنها كانت -على عكس معاملة الرقيق في أوروبا وأميركا- معاملة انسانية طيبة. فالعبيد فوق السفن العربية لا يُقيّدون بالقيود الحديدية كالعبيد فوق السفن الأوروبية. كما كان البحارة العرب يقدمون للعبيد التمر والسمك والغذاء الضروري.
وعندما يصل الرقيق الى سواحل الخليج العربي ويباعون هناك كان سادتهم الجدد يهتمّون بهم ويحافظون عليهم باعتبارهم وجاهة اجتماعية وثروة اقتصادية. وكان يتمّ نقلهم الى مواطن أسيادهم داخل الجزيرة العربية بواسطة البغال والجمال لا سيراً على الأقدام.
وتصف معظم الكتب والتقارير الرسمية عبيد العرب بـ«سعادة الحال» وأنهم لا تبدو عليهم مظاهر العبودية لاسيما النُّبهاءُ والأمناء منهم لأن أسيادهم لا يفرقون في معاملتهم بينهم وبين أولادهم وكثيراً ما كانوا يعلّمونهم القراءة والكتابة ثم يفيدون منهم في كثير من الأعمال. وكان الرقيق يحصلون منهم على أجر.
يذكر «ركبي» أنّ بعض العبيد الذين كانوا يعملون في بعض مزارع العرب يحيون حياةً طيبةً ويعيشون في أكواخ متسعة وانّ لبعض هؤلاء العبيد مزارع يمتلكونها وقد أثرى بعضهم حتى امتلك الرقيق هو الآخر وكان العرب يمنحون عبيدهم يومين مسامحة في الأسبوع يقضونها في البيع والشراء وتصريف أعمالهم الخاصة.
ووصف «كامبل» مساعد المقيم البريطاني في «بوشهر» في تقرير بعث به الى حكومة الهند في عام 1842 معاملة العرب للعبيد بأنها لم تكن في أي وقت من الأوقات معاملة قاسية ومجحفة وأن العبيد بعد شرائهم تتغيّر حالتهم المادية الى الأحسن وأن سادتهم يعاملونهم كمعاملتهم لأفراد أسرهم سواء بسواء يأكلون مما يأكلون ويلبسون مما يلبسون حتى ليعجز المرءُ أحياناً أن يُميِّزَ الرقيق عن مالكه. ولهذا فقد كان أولئك العبيد يخلصون ويجدّون في أعمالهم بمنتهى الرغبة وتظهر عليهم علامات الرضا والسعادة.
وفي البادية كانت معاملة العبيد لا تقلّ عن معاملة الأحرار. وأكّد هذه الحقيقة «برترام توماس» من واقع خبرته ومعرفته الوثيقة بحضرموت وعُمان وذكر أن معاملة العرب للرقيق التي اتسمت بالرفق قضت نهائيًّا على وصمة العار التي لازمت الاسترقاق في المناطق الأخرى من العالم. كما أكد الرحالة الإنكليزي «بالجريف» في كتابه عن رحلته الى البلاد العربية في عام 1865 أن الرقيق الذين يعملون مع أثرياء القوم في المناطق الشمالية من الجزيرة العربية تبدو عليهم السعادة والصحة والعافية وأنهم أيسر عيشاً وأكثر رغداً من الكثيرين من الأحرار.
أما «دوتي» فيصف في كتابه «أسفار في الصحراء العربية Travels in Arabia Deserta Charles M. Doughity» حال العبيد في الجزيرة العربية بالجودة ويذكر أن أكثرهم سعداء وأنهم يعيشون حياة معقولة ومحتملة وأنهم غالباً ما يصبحون أحراراً اذا كان مالكهم ورعاً كريماً وأن كل عبد منهم يعيش على أمل عتقه في لحظة من لحظات التقوى والتكفير عند سيده.
وأشاد «ماكسويل» بالتسامح والألفة التي أوجدها نظام الخدمة البيتية للعبيد في البلاد العربية وأشار الى أن كثيراً من العبيد المحررين يرفضون مغادرة البيوت التي تربّوا فيها وأن كثيرين منهم يعودون بعد عتقهم وخروجهم الى بيوتهم التي خدموا فيها كرقيق لكي يواصلوا العيش فيها حتى الممات.
وأبدى «ماكسويل» اعجابه الشديد بالضمان الاجتماعي الكامل من كساء وغذاء ومأوى الذي أُتيح لكل عبد عاجز أو مريض أو كبير في السن فقد كان العبيد الذين مسّهم الكبر وأقعدهم المرض في البيت العربي يلقون من سادتهم السكن والملبس والمأكل وأن العبد لن يموت فقيراً أو محتاجاً الَّا اذا توفي سيده من قبله وتفرّقت أسرته. وكان العبد المسنُّ لا يقلّ في منزلته عن سيده يوقِّره صغار العائلة ويتطلعون الى رضائه ويحترمه الكبار وغالباً ما يكون المتصرف في شؤون سيّده ويتعامل مع الأحرار على قدم المساواة في المسائل المالية وقد أثرى بعض الرقيق ثراءً كبيراً وأصاب بعضهم من الجاه مبلغاً عظيماً. وبلغ اعجاب «ماكسويل» بهذا الضمان الاجتماعي للرقيق في البلاد العربية مداه اذ يقول: «والحقيقة أن الطبقات الفقيرة في أوروبا لترحب بمثل هذه العبودية المكفولة لو أُتيحت لها» اذ ان العبد الأوروبي المنهك والعامل المستنفد القوى يُطرحُ منبوذاً في شيخوخته حتى يهلك جوعاً وبرداً كالكلاب الضالّة.
جاء في الخطاب الذي ألقاه «آلدون رتر» في الجمعية الملكية الجغرافية بلندن يوم 15 مارس 1933: «انّ العبودية في بلاد العرب لا تعني أيّ سوء وانّ العبيد هم بشر سُعداء يحيون في أوضاعٍ طبيعية هانئة كالآلاف من البشر السعداء في أرقى بلاد العالم حضارة وتمديناً. وأكاد أقول ان عبوديةً في ظل المبادئ الإسلامية قد تكون أخذاً بيد الزنجي الجاهل الى الوعي والحضارة الى أن ينتهي الأمر بتحريره وتسريحه لوجه الله تعالى».
وذكر «ماكسويل» معاملة العبيد في البلاد العربية ان الطبقة الوسطى من المسلمين تعامل العبد معاملتها لأحد أفرادها فهو يأكل من طعامها نفسه ويلبس من مستوى لباس الأسرة ويقاسم الأسرة مقاسمة عادلة غرم الحياة وغنمها ويذوق معها حلاوة متغيرات الحياة ومرارتها على حدٍّ سواء.
وذكر «كراف» وهو مُبشِّر انجليكي أنه شاهد على ظهر سفينة إيرانية في البحر الأحمر عام 1838 بعض أولاد «الغالا» Gala المسترقّين يعلّمون صلاة المسلمين.
كما ذكر «سبيك» أن الرقيق الذين تمّ شراؤهم في زنجبار قد ختنوا على الطريقة الإسلامية.

الإسلام والرّق
وباختصار شديد يمكن القول ان الرِّقّ عند العرب المسلمين يختلف مظهراً وجوهراً عن الرق عند الأوروبيين وأن العرب لم يمارسوا تجارة الرقيق بالروح الهمجية التي مارسها الغرب كما اعترف بذلك العديد من الكُتَّاب والباحثين الغربيين فبينما كان الرِّقّ عند الغرب وسيلة للقهر والاذلال كان الرق عند العرب المسلمين وسيلة للخروج من الكفر الى الايمان اذ اعتبر الإسلام حرية البشر هي الأصل والفطرة أمّا الرِّق فعارِضٌ عليها. ولهذا وضع الإسلام عدة أمور هي:
1 - أمر القرآنُ الكريم بتسريح الأسرى والسبايا بغير مقابل وأباح تسريحهم مقابل الفدية بالمال أو المبادلة بالأسرى. ومثال على ذلك أن رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» أطلق سبي هوازن وأسرى بني المصطلق وأسرى فتح مكة وحنين.
2 - أباح الإسلام للأرقّاء أن يكاتبوا سادتهم أي يتفق العبد مع سيِّده على مالٍ يؤدِّيه له مقسَّطاً عليه فاذا أدَّاه فهو حُرٌّ. قال تعالى: «وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ اِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا».
3 - سَهَّل الإسلام على الأرقّاء الحصول على المال الذي يفتدون به حرّيتهم عن طريق الزكاة. قال تعالى: «وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ».

أضف تعليق


كود امني
تحديث