b_100_67_16777215_01_images_image_D1(6).pngالأهوار هي منطقة للمستنقعات المائية الضحلة والعذبة وأشبه ما تكون بالبحيرات الكبيرة المتعددة والمتفرقة وتقع جنوب العراق ممتدة من وسطه في الأراضي المنخفضة المحصورة بين نهري دجلة والفرات وتغطي مساحات شاسعة اختلفت تقديراتها الفعلية لتتراوح بين 7000 و9000 كلم مربع وأكثر تقريباً لصعوبة حصر امتدادها الجغرافي وتعرض معظمها للتجفيف.

وكانت الأهوار العراقية سابقاً واحدة من أكبر المناطق المنبسطة والقليلة في العالم التي تغمرها المياه العذبة الناتجة عن تجمع مصبات الروافد الثانوية الدائمة لفيضانات ملتقى مياه نهري العراق لكونها جغرافياً أرضا سهلة ورسوبية ضحلة العمق لا يتجاوز قاع معظمها 3 أمتار ولا يقل أقربها عن المتر والنصف غالباً وذلك في القنوات المائية التي تصلها ببعضها.

وتتكون هذه المنطقة على شكل مثلث تقع مدن العمارة والناصرية والبصرة على رؤوسه الثلاثة وتنقسم إلى أهوار شرقية وغربية مليئة بالجزر الطبيعية صغيرة المساحة نسبياً يسكنها في بيوت مبنية من القصب والحجارة قبائل المعدان العربية المنتفعين من الزراعة وتربية المواشي وصيد الأسماك ويتنقلون في قنواتها المائية بقوارب «المشخوف» الخشبية الخفيفة.

وامتازت الأهوار قديماً بوفرة مياهها وخصوبة أراضيها وتنوع حياتها الفطرية خصوصاً في نهاية فصل الشتاء وابتداء الربيع وهي موطن طبيعي للعديد من فصائل النباتات والحيوانات والطيور النادرة والأسماك لكن في الوقت الحالي لم يبقَ الكثير من ذلك في تلك المنطقة التي تعود حضارتها إلى ما يزيد على 5000 عام تقريباً بحسب ما تم توثيقه عنها في الحضارة السومرية.

ومنذ زمن ليس بالبعيد تحولت الأهوار من أوفر مناطق العالم وأغناها بالنعم إلى واحدة من الكوارث الطبيعية المفتعلة من التدخل الجائر للإنسان لأسباب عديدة منها الرغبة في تجفيف بعض أجزائها بحجة التوسع في مساحة الأراضي الزراعية فيما كانت الأخرى محاولات سيادية لفرض السلطة عليها خوفاً من خروجها بسهولة عن السيطرة لصعوبة بيئتها. وما حصل وتم اعتباره جريمة إنسانية وبيئية في حق الأهوار وسكانها وكل كائناتها الحية أدى بسبب تحوير مصبات الأنهار وفروعها وبناء السدود الترابية والخرسانية إلى تقلص شديد ومتسارع في مساحات المناطق المغمورة بالمياه إلى نسبة قاربت الثلثين ليكون من عواقب ذلك تباعاً لسلبيات ما حدث هجرة ونزوح أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق معيشية أخرى.

في الآونة الأخيرة ومع توقف التدخل البشري الجائر في أرض الأهوار والعودة التدريجية لنماء وازدهار الحياة الطبيعية فيها عاد اليها انتعاشها وتنبه العالم لها وتجري حالياً محاولات توثيق ضمها للائحة التراث العالمي ما سيسهم بالتأكيد في عودتها بخيراتها وسحر طبيعتها كثروة عراقية حياتية وحضارية تراثية وكذلك بمنافع اقتصادية بعد استثمارها وتنميتها بنجاح.

 

أهوار العراق «جنات عدن»

«منذ آلاف السنين هذه القرون المغرقة في القدم بقيت هذه الأهوار تعيش حياتها كسلسلة ممتدة لم يمسسها أحد لكن الآن وتحت نظام صدام حسين أصبح سكان الاهوار ومواطنهم يتخربون بشكلٍ منظم. إن طغيان السياسة الجديدة في العراق جعلها تغلق هذه المنطقة أمام الزوار وربما ستجفف هذه الاهوار وعندما يكون ذلك فإن الحياة التي تسلسلت منذ آلاف السنين ستختفي». «وبعد مدة قصيرة من تصريح ثيسنجر هذا جفف نظام صدام تلك الاهوار الساحرة ودَََمَّرَ سكانها قتلاً وتشريداً وضاع سحرها وهاجر من تبقى من أهلها وهاجرت طيورها أسراباً».  

في عام 629م طغى الرافدان وروافدهما طغيانا هائلا لم يسبق له مثيل وخربت مشاريع السدود ومشاريع الري الرئيسة التي اهملت لضعف الدولة الساسانية في أواخر ايام حكمها في النهروان وسد العُظَيمْ القديم وكذلك سد ديالى القديم ومناطق اخرى.  

وغيّر الرافدان مجريهما في مناطق عديدة في الوسط والجنوب فانقلبت مناطق اقصى الجنوب الى اهوار واسعة تمتد كالبحر وصارت تعرف هذه الاهوار حينها بالبطائح وقد وصفها المؤرخون والبلدانيون العرب وصفا مسهبا وادخلوها على خرائطهم. 

فهي مجموعة المسطحات المائية التي تغطي الاراضي المنخفضة الواقعة في جنوبي السهل الرسوبي العراقي وتكون على شكل مثلث تقع مدن العمارة والناصرية والبصرة على رؤوسه. وتتسع مساحة الاراضي المغطاة بالمياه وقت الفيضان في أواخر الشتاء وخلال الربيع وتتقلص ايام الصيهود.

وأطلق العرب الاوائل على هذه المناطق اسم «البطائح» - جمع بطيحة - لأن المياه تبطحت فيها اي سالت واتسعت في الأرض وكان ينبت فيها القصب.

لقد اثبتت التحريات أن اجزاءً كبيرة من اهوار محافظتي الناصرية وميسان كانت ارضا يابسة تستغل بالزراعة وكانت هناك بعض المستنقعات الدائمية المحصورة وخاصة في محافظة ميسان.  والدليل على ذلك هو انتشار المواقع الاثرية فيها ففي هور الحَمّْار الذي تقدر مساحته بمليون وثمانية واربعين الف دونم ثبتت 122 موقعا اثريا بين صغير وكبير وتاريخ بعض المواقع يعود الى عصر فجر السلالات السومرية أي بحدود 2800-2350 ق.م. وتتوزع هذه المواقع على المناطق التالية: الجبايش والاصلاح والعكيكة والسديناوية وكرمة بني سعيد وهذه المواقع اما كانت مغمورة بالهور وإما يحيط بها الماء وفق ارتفاعها.

  أما في محافظة ميسان فهناك 48 موقعا اثريا مكشوفا يعود تاريخ اغلبها الى العصور الفرثية والساسانية وبعضها اقدم حيث تعود الى الآلف الاول ق. م وتنتشر هذه المواقع في هور الحويزة والوادية والصحين وبريدة وغيرها وهي كالأهوار في الناصرية اما كانت مغمورة في الهور وإما محاطة بمائه. وهناك تجمعات سكانية حديثة أقيمت في الهور على التلال الاثرية حيث ترى قطع الفخار وكسر الأجر القديمة منتشرة عليها كما في منطقة الجبايش.  

ويذكر العاملون في حقل النفط في الاهوار ان مكائنهم كانت اثناء عملها تستخرج كسر الفخار من اعماق مختلفة وقد  وردت معلومات في نص سومري يؤكد قيام السومريين بشق الجداول وكذلك استصلاح بعض الاراضي من الملوحة التي ظهرت بوادرها بحدود عام 2400 ق.م واستمرت زمنا طويلا بعد ذلك كما هو معروف في وسط العراق وجنوبيه.  كل ذلك يؤكد ان مناطق الاهوار كانت ارضا يابسة عاش عليها العراقيون وزاولوا نشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية وبنوا حضارتهم العتيدة كما في باقي أجزاء العراق. لقد تعرضت هذه الأهوار التي حافظت على سحرها وعظمة بقائها لآلاف السنين  للتجفيف في تسعينات القرن الماضي وتحديدا بعد انتفاضة عام 1991 أو ما يعرف بــالانتفاضة الشعبانية عقابا لسكان الأهوار الذين قاموا بانتفاضة ضد الديكتاتور صدام حسين. ولم يتبقَ سوى 4 % من اجمالي مساحتها بعد تجفيف 96 % منها.

 

بدء التجفيف

لقد بدأ تجفيف أكثر من 90 % من المساحة الأصلية للأهوار منذ عام 1970  بسبب إنشاء السدود في أعالي الأنهار وعمليات التجفيف الممنهج. ونتيجة لذلك أصبح جزء من هور الحويزة على الحدود مع إيران هو كل ما تبقى من الأهوار حتى عام 2000. كما أن المجتمعات المحلية لم تسلم هي الأخرى من الضرر الذي نتج عن تخريب بيئة الأهوار. وبالإضافة إلى ذلك تعرضت الكثير من مساكن وسبل عيش العرب الذين يقطنون الأهوار للتدمير في تسعينات القرن الماضي من خلال هجمات منظمة ضد مجتمعات الأهوار المحلية ما أجبر غالبية سكانها على مغادرة المنطقة.

وحسب التقديرات فر ما يزيد على 75.000 من عرب الأهوار إلى إيران بينما استقر نحو 100.000 منهم في أماكن أخرى من العراق.

 كانت الأهوار العراقية تشكل في السابق أكبر الأراضي الرطبة في جنوب شرق آسيا حيث كانت تغطي أكثر من 20.000 كيلومتر مربع. وكانت تشكل بذلك نظاماً إيكولوجياً «بيئياً» ذا أهمية أساسية بالنسبة للبيئة الطبيعية والحياة البشرية في المنطقة إذ توفر منطقة وقاعدة أساسيتين للعيش.

كانت الأهوار تمثل - بفضل احتوائها على تنوع بيولوجي وثراء ثقافي هائل- مستوطنة دائمة للعديد من أنواع الطيور ومكاناً تقصده الطيور المهاجرة ضمن أماكن هجرتها الموسمية. كما كانت توفر منطقة سكن لأسماك الخليج التي تعيش في المياه العذبة. وتاريخياً كان يتم تنقية المياه من المخلفات والمواد الملوثة في نهري دجلة والفرات عبر الأهوار ما يحول دون تدهور ساحل الخليج.

 تقع منطقة الاهوار بين دائرتي عرض 50 30ْ و50 32ْ شمالاً وبين الحدود الايرانية من الشرق وحافة الهضبة من الغرب.

وتقسم جغرافيا الى مجموعتين:

مجموعة الاهوار الواقعة شرقي نهر دجلة واهمها الحويزة وتبلغ مساحتها داخل العراق نحو 2863 كيلومتراً مربعاً.

الاهوار الواقعة غربي دجلة واهمها هور الحَمّْار الذي تبلغ مساحته نحو 2441 كيلومتراً مربعاً.

اهوار الفرات التي تمتد من الخضر الى الكفل بين فرعي الفرات «الحلة والهندية». وتتألف من عدد من الاهوار الصغيرة. 

لقد تراوحت تقديرات المساحة الإجمالية للاهوار بين 9000 و20000 كيلومتر مربع وتبلغ مساحتها بحسب تقديرات أخرى على اساس وحداتها الادارية الصغرى والبالغة 20 ناحية ضمن المحافظات الثلاث التي تقع فيها منطقة الاهوار وهي محافظات «ميسان – ذي قار- البصرة» التي تعتبر مراكز التوازن المكاني والسكاني فيها. 

ويعيش سكان الأهوار في جزر صغيرة طبيعية أو مصنعة في الأهوار ويستخدمون نوعا من الزوارق يسمى بالمشحوف في تنقلهم وترحالهم.

للأهوار تأثير إيجابي على البيئة فهي تعتبر مصدرا جيدا لتوفير الكثير من المواد الغذائية من الأسماك والطيور والمواد الزراعية التي تعتمد على وفرة وديمومة المياه مثل الرز وقصب السكر.

ويعتقد البعض أن المنطقة هي الموقع الذي يُطلق عليه العهد القديم «جنات عدن». وتشير الدراسات والبحوث التاريخية والأثرية إلى أن هذه المنطقة هي المكان الذي ظهرت فيه ملامح السومريين وحضاراتهم وتوضح ذلك الآثار والنقوش السومرية المكتشفة.

يعيش اهالي الاهوار الذين يعود نسب اغلبهم الى الحضارة السومرية في بيوت القصب والبردي المبنية فوق المسطحات المائية وبيوت البردي ليست طراز سكن فحسب إنما اسلوب معايشة مع البيئة وتطورات المناخ.

ويشهد مؤلف كتاب «عرب الاهوار» الذي عاصر سكان المنطقة حياتياً والذي يطلق عليهم تسمية «المعدان» على وجود قنوات الري لغاية عهد خمسينات القرن العشرين مرصوفة بألواح خشبية الأمر الذي يقود إلى اسلوب التعامل السومري مع البيئة وتدبير شؤون المياه في حالة ارتفاع منسوبها في نهري دجلة والفرات إذ يساعد القصب الطيور في بناء أعشاشها بخلاف الأسمنت وهكذا تكونت محميات طبيعية من أشجار وطيور وأسماك تعرضت إلى الفتك والتخريب عندما قام نظام البعث بحرق الأهوار في نهاية الثمانينات. والآن تم تأهيل نصف مساحتها تقريباً. وقد حذرت منطمات البيئة الدولية والعراقية من التأهيل العشوائي لهذه المحميات الطبيعية مطالبة استعمال المواد الطبيعية والناتجة من بيئة الأهوار كالقصب والبردي مشيرة إلى ضرر استعمال الطابوق أو الاسمنت في أعمال إعادة الترميم والتأهيل لهذه البيوت التي تعُد من التراث الانساني.

لقد وافقت منظمة اليونسكو على اعتبار تلك البيوت الخشبية المعلقة تراثاً إنسانياً استجابة لطلب سويسرا ونيابة عن 6 دول أوربية. وتوجد هذه المواقع في: فرنسا والمانيا وايطاليا وسلوفينيا والنمسا وسويسرا وعددها 111 موقعاً منها 59 في سويسرا. توجد صلات وشواهد ثقافية وبيئية كثيرة بين تراث هذه المواقع الأوروبية وبين منطقة الأهوار العراقية منها اللقى الأثرية والأواني الخشبية والخزفية والمنسوجات والمجوهرات وتربية المواشي والزراعة في فترة يكتنفها الكثير من الغموض أمام البحث العلمي اضافة الى الزوارق وسيلة التنقل حينذاك ولا تزال مستعملة في أهوار العراق وبأنواع كثيرة ومختلفة. 

Comments are now closed for this entry