D1(1).jpg

لعل «غطاء الرأس» هو آخر ما ندعي أنه الوحيد الآن الذي يمكن أن يميز بين الناس في العالم كله. 

فبعد أن راجت مفاهيم الحداثة ومع المعطيات الاقتصادية والثقافية للعولمة بفضل غلبة ثورة الاتصال وانتشار الفضائيات وشبكة الانترنت؛ عم ارتداء الـ«جينز» والـ«تي شيرت» والملابس الـ«أوول سايز» وخصوصاً بين أجيال الصغار والشباب. فغطاء الرأس وحده القادر على التمييز بين الشعوب بل بين الأفراد داخل الجماعة الواحدة بالاضافة إلى خصوصيته لبعض المهن.

غطاء الرأس هو ذلك الذي يرتديه الفرد سواء من الرجال أم النساء فوق رؤوسهم. هذا الذي يستخدمه الملوك فيسمى تاجاً.. ويستخدمه أصحاب المهن المختلفة وبأشكال متنوعة بحيث يؤدى دوراً وظيفياً ما أو يميزه اجتماعياً. 

فالطباخ في الفنادق والممرضات في المستشفيات والجنود في معسكراتهم ورجل الدين في الأديان السماوية الثلاثة والفلاح في حقله وأغلب العمال في المصانع والمناجم وحقول البترول وغيرهم؛ كلهم ملزمون بارتداء الغطاء المناسب للمهنة التي يمتهنوها لأسباب وقائية صحية وان بدت لاعتياد الناس عليها أنها من شروط تقاليد المهنة وحسب. 

وان اعتبر «التاج» حلية الملوك فقد استخدم أيضاً في مناسبات احتفالية مثل اختيار «ملكة جمال العالم أو حتى البلد الواحد». 

ويعد غطاء الرأس للمرأة وهو الحجاب أو المنديل؛ أكثر شيوعاً عند المرأة المسلمة والسيدات الريفيات والأعرابيات لأسباب دينية وجمالية وبات من التقاليد الملزمة أيضاً. 

وتتداخل أسباب ارتداء أغطية الرأس عند الرجل والمرأة فتلعب البيئة سبباً في استخدامه مثل اتخاذه وسيلة للتدفئة في البلدان الباردة ووقاية من حرارة أشعة الشمس في البلدان الحارة أو لحماية الرأس لداع صحي مثل الصلع. 

 

أنواع غطاء الرأس

غطاء الرأس من الريش: وهو الشائع في قبائل الهنود الحمر وكان يصنع من ريش النسر لزعيم القبيلة كل ريشة منه تقابل عملاً جليلاً قام به هذا الزعيم من أجل الدفاع عن القبيلة ضد الأعداء. 

غطاء الرأس من الأقمشة: وهو الأكثر شيوعاً أغلب المستخدم له هم عامة الناس وخصوصاً في البيئات الريفية والصحراوية وهو يصنع من ثلاثة أنواع من الأقمشة اما صوفية أو من الكتان أو القطن. 

غطاء الرأس من الخوص: وهو المتوافر في البيئات التي يتوافر فيها الخوص في الكثير من بلدان العالم وأكثر من تميز باستخدامه هم سكان منطقة جنوب شرق آسيا. 

غطاء الرأس من الجلد أو الفرو: وهو المستخدم في البيئات شديدة البرودة ويكثر بل لعله الوحيد في سيبريا أو سكان القطب الشمالي من الكرة الأرضية وان كان شائعاً في الكثير من البلدان ذات الطقس البارد. 

غطاء الرأس من المعادن: والمعدن الشائع هو الحديد الصلب غالباً ما يستخدمه المحاربون ثم الملوك وان كانت تيجانهم من المعادن الثمينة مثل الذهب وحديثاً عمال بعض المهن التي يتعرض أصحابها لأخطار مهنية كما في المناجم والمحاجر وحقول البترول. 

 

غطاء الرأس قديماً

لعل الاطلاع على الجداريات القديمة والآثار المشيدة في كل الحضارات تكشف بجلاء أن الشعوب المختلفة تتماهى مع ما ترتدي رسوم وزخارف الرجال والناس على رؤوسهم. سواء الرسوم الخاصة من الملوك أو العامة من الناس.. وتكشف تنوعها أيضاً. 

وبات من السهل تحديد بعض البلدان بذاتها من شكل غطاء رأس الرجال.. وهو ما يلاحظ مع رجال المكسيك في أميركا الجنوبية والصين في آسيا وسكان سيبيريا و«الغترة» عند العرب وقد يكون الاسم هو اختصار لـ«غطاء الرأس». 

 

رمز ديني

 لعل أغطية الرأس لرجال الدين هي أقدم ما ارتداه الانسان دون تبدل. ففي اليهودية يرتدى رجل الدين تلك «القلنسوة» التي تتميز بأنها لا تغطي كل الرأس بل الجزء الخلفي منها وان كان يحق لغير رجل الدين ارتداؤها في المناسبات الدينية ليتهيأ لطقوسه الدينية أو حتى للاعلان عن كونه متديناً. وقد لوحظ أيضاً استخدام «الكوفية» المزركشة خلال حقبة قديمة. 

وعند رجل الدين المسيحي على المذهب الكاثوليكي غطاء الرأس له دلالة محددة وهى التي تشكل هيئته: القلنسوة التي يلبسها الراهب هي خوذه الراهب التي تحمي فكره. لها من كل ناحية 6 صلبان ومن خلالها صليب كبير رمز للسيد المسيح وتلميذه.. بينما يرتدي الملابس باللون الأبيض وليس بالأسود في القداس اشارة للقيامة وخدمة الحياة. 

الطيلسانة: تاج الكهنوت مشبوك فيها طرحة إلى أسفل تشير لطرح العالم وراء ظهره وبنظره جانبية لتاج الكهنوت نجد التاج عند عمل مقطع فيه نجد شكل أقرب إلى حرف «D».. اشارة إلى أن الأسقف يخدم أكثر من كنيسة «مسؤول عن أكثر من كنيسة». 

ولعل «العمامة» بألوانها المختلفة هي أكثر ما يشير إلى رجل الدين المسلم بالاضافة إلى ملابسه. وان لم يحدد الاسلام أية اشارات لتحديد ملابس رجل الدين الا أنها غلبة العادات والتقاليد. 

 

اختفاء أشهر غطاء رأس 

لعل الطربوش هو آخر غطاء رأس شاع ثم اختفى في أكثر من بلد عربي. يتكون من صوف وخوص نخيل وجلدة وزر حرير وكان للون الزر دلالة‏ ‏ فالكحلي والأسود يرمزان للأساتذة والأفندية وأئمة المساجد‏ ‏ أما الزر اللبني الفاتح فيدل على المقرئ في الجنازات‏. ‏

وطريقة اعداد الطربوش تبدأ بتحضير قوالب من الخوص يتم وضعها حول قالب نحاس ثم يوضع فوقها خامة تسمى الجوخ ليتم تثبيتها تحت مكبس خاص ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الكي وهي المرحلة النهائية ليكون الطربوش معداً للوضع فوق الرؤوس. 

 

غطاء الرأس والصلاة

ان صلاة الرجل اماماً كان أم مأموماً أو منفرداً عاري الرأس صحيحة في جميع المذاهب لأن شرط صحة الصلاة ستر العورة ورأس الرجل ليس بعورة باتفاق حتى يشترط لصحة الصلاة سترها. ولكن الأفضل تغطية الرأس في الصلاة. وعلماء الحنفية يذهبون إلى أنه تكره صلاة الرجل حاسر الرأس للتكاسل بأن يستثقل تغطيته ولا يراه أمراً مهماً في الصلاة فيتركه لذلك ويقولون بجواز ترك تغطية الرأس. 

 

غطاء الرأس في الأحلام

 مثلما ارتبط غطاء الرأس بالناس في حياة اليقظة له أهميته ودلالاته في النوم. وأشهر من فسر أحلام أغطية الرأس هو «ابن سيرين». 

التفسير العام لرؤية غطاء الرأس في الأحلام: اذا حلمت برؤية غطاء أنيق للرأس فسوف تصبح مشهوراً وناجحاً. اذا رأيت غطاء للرأس قديماً وممزقاً فسوف يتحتم عليك أن تتخلى عن أملاكك للآخرين. 

أما اذا رأيت في المنام أنك ترتديه مرة وتغفله مرة وأنت في حيرة وقلyق.. فهذا يعنى أن الحالم متعب وفي حالة قلق دائم لكنه يحاول التخلص من مشاكله وأسباب قلقه. 

 

أشهر الأغطية العربية

- الكوفية

 للكوفية تاريخ قديم مع العرب ولعلها أهم معلم يميز «العرب» بين كل أجناس العالم حتى أنه يعرف بها حتى وان ارتدى الرجل الزي الغربي.. أصل كلمة «كوفية» نسبتها إلى كوفة العراق وان قيل أن أصل كلمة «الكوفية» ايطالية بمعنى غطاء الرأس. في الشام تسمى «الحطة» وفى الجزيرة العربية تسمى «الغترة». 

- العمامة 

كان زعماء القبائل العربية وعلية القوم في العصر الجاهلي يعتمرون العمامة في المعارك والحروب ويخلعونها وقت السلم. أما العامة فيضعون قطعة من القماش على الرأس للوقاية من حرارة الشمس ثم ألحقوا بها حبلاً لتثبيت القماشة. تطور الحبل إلى أن أخذ شكل «العقال».. وغلب اللون الأبيض بينما غلب اللون الأسود للعقال. 

وفى أوائل القرن التاسع عشر كانت العمامة غطاء للرأس في مصر وسوريا والعراق وعمان وفلسطين وبعض مناطق شمال أفريقيا واليمن. وكانت غالبة مع رجال الدين الثلاثة: فعمامة المسلمين كانت خضراء أو بيضاء وعمامة المسيحيين زرقاء وعمامة اليهود سوداء.  كما عبرت العمامة عن مكانة الأفراد الاجتماعية والعسكرية والدينية والاقتصادية فعلو الدرجة كان مرموزاً اليه بطول غطاء الرأس أو ازدياد حجم العمامة. 

كذلك لباس رأس الثري يخالف لباس رأس الفقير وطريقة لف العمامة يختلف بحسب الطبقة الاجتماعية. 

 

دلالات الانتماء والوطنية

 في العصر الحديث أضيف إلى دلالات «غطاء الرأس» دلالة جديدة ألا وهى التعبير عن وطنية وانتماء العربي خلال الفترة التي بدأت بالتخلص من الحكم العثماني والاستعماري من بعده. ففي أوائل القرن التاسع عشر بدأت حركة «محمد علي» مصر وأصبح «الطربوش الأحمر» «الذي كان يستخدمه اليونانيون» هو غطاء الرأس الرسمي بمصر. ثم تبعه في سوريا السلطان «محمود الثاني» بعد هزيمة الانكشارية «15 حزيران سنة 1828». 

ففي سوريا رصد الراصد أنه ما بين سنة 1829– 1891م عم الطربوش في سوريا حتى أنه في عام 1830م ذكرت سجلات القنصلية الفرنسية في بيروت:«تلقى حاكم بيروت أمراً بأن يترك العمامة الكبيرة ويجعل لباس الرأس لكافة الموظفين طربوشاً أحمر». 

وقد احتج موظفو الامبراطورية العثمانية بشدة لاتخاذه «الطربوش» غطاء رأس اليونانيين شعاراً لهم لأن اللباس الجديد كان يستجلب الهزء والسخرية فضلاً عن أن الشيء الأجنبي مكروهاً في ذاته. وكادت تحدث الفتنة ويعم التعارك حين طلب شيخ الاسلام أن يلبس السلطان محمود لباس الرأس القديم غير أن الصدر الأعظم أو الخليفة العثماني حين ذاك لم يسمح بتطبيق هذه الفكرة الا على رجال الدين. وكذلك في بدء مرحلة الانتداب الفرنسي ظهرت حركة ضد «الطربوش» بقصد الاستغناء عنه واستبداله بلباس رأس وطني خاص بالسوريين وهو «الفيصلية» التي ارتداها الملك فيصل الأول على غرار العراقيين الذين درجوا على لبسه بحجة أن الطربوش هو لباس دخيل مأخوذ عن اليونانيين وأن الطربوش لا يوافق صحة الأفراد لا في الصيف ولا في الشتاء وأنه ليس من مصنوعات البلاد. ولكن هذه الحركة المناوئة للطربوش لم تنجح وان بقيت دلالاتها حتى اليوم. 

وخلال تلك الفترة أيضاً بدأت معركة «البرنيطة» أو «القبعة الافرنجية» حيث كان من يلبسها يلقى الاستهزاء والسخرية ويلقب بـ«أبو برنيطة أو أبو طنجرة وغيرها» وربما يرجع السبب إلى أن السوريين اعتادوا لبس «الطربوش» بل أصبح شعاراً وطنياً. كما حدث في بدء الانتداب الفرنسي أن حاول البعض نشر العمامة بين المواطنين عامة الا طلاب المدارس الثانوية والابتدائية سنة 1931 في حلب لتعميم «الكوفية والعقال». وفى مصر.. للطرابيش تاريخ يرجع لعهد محمد علي باشا. وقد تغير شكل الطربوش منذ عهد محمد علي إلى الوالي سعيد ثم الخديوي اسماعيل والملك فاروق. وجاءت الثورة وألغى جمال عبد الناصر ارتداء الطربوش بعد أن كان الزامياً على الموظفين وطلاب المدارس والجامعات والعساكر وكان الطربوش ونظافته والاهتمام به بزره الأسود دليلاً على الأناقة والذوق الرفيع‏. 

كان من «العيب» خروج الرجل من بيته دون وضع «طربوش» على رأسه بعد أن يتحول الطربوش في عهد الخديوي عباس الأول إلى زي رسمي يحرص على ارتدائه الباشاوات والأفنديات. 

في تلك الآونة كان المرء اما مطربشاً أو معمماً «وهم الذين يلتزمون بالزى الأزهري» أو يرتدون الطاقية كأهل الأرياف أو العمامة في الصعيد. وحينها كانت القيمة الاجتماعية والصراع بين الأفراد الخفي الظاهر بما يضعه المرء على رأسه. وكانت أول مظاهر الاستقلال الوطني التخلص من ارتداء الطربوش. 

وفي فلسطين عند بداية حركة «فتح» عام 1965م وجد القائمون عليها ارتداء «الكوفية» تيمناً بموقف المناضلين القدماء وان أصبحت الكوفية هي غطاء رأس أغلب الفصائل الفلسطينية فيما بعد. 

ففي عام 1936م اشتعلت الثورة الشعبية في فلسطين وعم الاضراب العام البلاد في مواجهة المحتل الإنكليزي. وقد وجد البريطانيون في هذا الزي «الكوفية» علامة مميزة للتعرف على الثوار لذا أصبحت الكوفية رمزاً وطنياً للمقاومة. 

وفي معركة «القسطل» بجوار القدس وجدوا الشهيد «عبدالقادر الحسيني» ورفاقه الثوار كلهم يرتدون الكوفية.