قلة من الشعراء تكون لهم تلك الكلمة البديعة والقافية الماتعة مع الكثير من الجدل الذي يمكن أن يصاحب عشّاق الحرف، وهذا بالضبط التوصيف الأدق للشاعر الكويتي «فهد العسكر».

ولد شاعرنا فهد بن صالح بن محمد بن عبد الله بن علي العسكر، عام 1917م في سكة عنزة في مدينة الكويت، ويعد من رواد حركة الشعر في البلاد.

 

نسبه ونشأته

يرجع نسبه إلى قبيلة «عنزة»، أجداده من «نجد»، كان جده تاجر غنم وإبل كثير التنقل بين الرياض والكويت، وقد شجّعه الشيخ «دعيج الصباح» على الاستقرار في الكويت، بعد أن توطّدت بينهما أواصر الصداقة. لم تمنع نشأة فهد العسكر الدينية من أن يكتب الكثير البيوت التي أثارت جدلاً واسعًا بين عائلته المتديّنة وفي مجتمعه المحافظ، حيث كان والده إمام مسجد الفهد ومدرّساً للقرآن، دفعه للدراسة في كل من المدرسة المباركية عام 1922 وكذلك المدرسة الأحمدية بيد أنه فضّل التعليم الذاتي والتثقيف الفردي على التعليم النظامي الرسمي، وقال فهد الشعر مبكرًا حيث  بدأ شاعرنا المولع باللغة العربية بنظم الشعر بعد أن أنهى المرحلة الابتدائية وأخذوا أساتذته يشجعونه على قراءة القصائد ونظمها .

 

التحوّل في فكر وشعر فهد العسكر

بدأ فهد يتردد على مكتبة الكويت الأولى حينها وهي  «مكتبة ابن رويّح»، وكان يستعير منها الكتب ويقرأ بنهم، فحصل لديه نوع من التغيّر في أفكاره، وأخذت نظرته إلى الحياة تتغير، وبدأ تشدده في الدين يضعف شيئاً فشيئاً إلى أن تحول كلياً في تفكيره وفي نظرته إلى الحياة وإلى العادات والتقاليد الموروثة واَكَب ذلك معاقرته للخمر، ومن بعض الأبيات التي أقامت الناس عليه :

ياساقي الخمر زدني فالرؤى هتفت

بي وهي سكري وما أغمضت أجفاني

كما قال:

ليلة ذكرياتها ملء ذهني

وهي في ظلمة الأسى قنديلي

ليلة لا كليلة القدر بل خير

وخيرٌ والله من ألف جيل

أنا ديني الهوى ودمعي نبيي

حين أصبو ووحيه إنجيلي

 

من يقرأ مثل هذه الكلمات في مجتمع قبلي محافظ من الطبيعي أن يتهم صاحبها بالكفر والإلحاد وهذا ما حدث، حيث أتهم في حياته بالكفر بسبب دعوته إلى الانفتاح في المجتمع الكويتي المحافظ وجوبه بالكثير من الرفض والامتعاض لهذه الاشعار،وهو تحوّل كبير في حياة الشاعر الذي كان أثر نشأته الدينية واحتكاكه بأبيه إمام المسجد قد سبق ونظم شعرًا يفيض روحانية وقال :

  [Text Box: كيفَ لا يُمنَحُ الجُمال وفيهِ أَشْرقَتْ طلْعةُ النَّبىِ البهَّيه طَلْعــةُ المنقِــــــذِ العظيمِ الذى أَنْقذَهُــــمْ من مَخالِبِ الجاهليَّه طلْعـــةُ المُصْلــــح الذى أَسْعَد الناسَ بظلَّ الشريعةِ الأَحمديَّه خَصَّهُ اللهُ بالهُدى فَتَجلَّتْ حِكْمةُ اللهِ حينَ خَصَّ نبيَّه قُرشيٌّ صَلى عليهِ وأَثْنى بالكتابِ المجيدِ رَبُّ البريَّه]

وفي قصيدة أخرى لفهد العسكر طويلة عدد أبياتها اثنان وتسعون بيتاً بعنوان «مناجاة العيد»، يناجي فيها شاعرنا عيد مولد النبي صلى الله عليه وسلم ويتحسر فيها على ما وصلت إليه الأمة الإسلامية من تأخر وتشرذم جراء إهمالها شرع الله المحكم: وقال:

[Text Box: وَيْــلاهُ اهمَلْنا التَّعاليمَ التي جَاءَ الكتــابُ بها فمَا أَشْقانا ما أَنْ تركْنا البرّ والتَّقْوى معــاً حتى أَلفْنـا الإثْــمَ والعُدْوانا نَعْصى أَوامرَ كلَّ فَـرْدٍ مُصْلــح والدينُ عنْ عِصْيانـه ينْهانـا]

وقد حصل هذا التغيّر الجذري في حياة الشاعر فهد العسكر كما يراها النقاد على ثلاثة مراحل:

الأولى: مرحلة التدين الكامل وهي مرحلة الطفولة والنشء. الثانية: بدايات التمرد على العادات والتقاليد وأخلاقيات المجتمع السائدة آنذاك، وربما بدأت هذه المرحلة ببداية ارتياد شاعرنا مكتبة «ابن رويح» التي كان يقرأ فيها كل ما تقع عينه عليه من كتب ومعارف كحاطب ليل.

الثالثة: بداية تلاشي الإيمان في نفس صاحبنا، وبروز خفة اليقين والاعتقاد، وكثرة ترداد الشكوى من كل ما حوله.

 

صراع فهد العسكر مع المجتمع الكويتي

لم تلق كلمات الشاعر العسكر القبول لدى المجتمع الكويتي فأتهم بالكفر والزندقة، فالمجتمع الكويتي  يحافظ كثيراً على القيم الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية الصارمة التي تسيطر على كل مناحي الحياة، والتمرد أيًا كان سواء في الكلمة أو التصرف أمر غير مقبول به، ولم يتوقف الأمر  على هذه الدرجة فأخذوا يتهمونه بالجنون كذلك  بالاضافة الى تهمة الكف والالحاد، ثم أضيفت تهمة الزندقة والشذوذ إلى القائمة. ولكنه ثبت على فكره وتشبّت به إلى أن وجد نفسه في عزلة شبه كاملة عن مجتمعه الكويتي،فما لبث هذا المجتمع أن عزله تمامًا وتركوه ونفسه وشعره، فنظم لنفسه غرفة يعيش فيها وحيدًا ولعلها السبب في إصابته بالعمى في آخر أيامه إذ لم يحافظ على علاقته معه غير والدته، ونفر قليل من أصحابه، وهذا واضح من طقوس وفاته كما سيأتي لاحقًا.

وعلى اثر الظروف السابقة ونظرة المجتمع للشاعر العسكر، قرر هو  اعتزال الناس ونشد ردًا كل هذه الاتهامات التي يراها لم تكن لولا جرأته وقوّته في الطرح وجزالة أسلوبه وفصاحته ومضى يقول ويتشكى مما رماه به قومه من صفات  ومن تطاول المتعصبين الذين اتهموه بالكفر:

هذا رماني بالشُّذوذِ وذا رماني بالجُنونِ

وهناكَ مِنهم مَن رماني بالخَلاعةِ والمُجونِ

وتَطاوَلَ المُتَعَصِّبونَ وما كَفَرْتُ وكَفَّروني

لا دَرَّ دَرُّهُمُ فلو حُزْتُ النُّضارَ لألَّهوني

أو بِعْتُ وِجداني بأسواقِ النِّفاقِ لأكرَموني

أو رُحتُ أحرِقُ في الدَّواوينِ البَخورَ لأنْصَفوني

فعرَفتُ ذَنبي أنَّ كَبشي لَيْسَ بالكَبْشِ السَّمينِ

 

 

 

وأضاف في قصيدة أخرى له:

وأنا شاعرٌ خُلقتُ لأشدُو           

لا لأتْلو القرآنَ في المحرابِ

وذهب الشاعر العسكر كثيرًا في التغريد عن السرب خارج عادات مجتمعه، حيث كان يشرب الخمر ولا يأبه كثيرا في ستر ذلك وأنشد ذات مرة حين عاتبه من عاتبه:

هذا هو الكأسُ في كفّي سأشربُها   

فهْيَ الدّواءُ وقد كَلَّ الأطبّاءُ

وبرغم كل ما قيل عن العسكر، يبقى شاعرًا قويّا في الكلمة وفي الأسلوب محافظاً على التراث العربي الأصيل في الشعر، ونشد قصيدة عن فلسطين حملت عنوان «بسمة ودمعة أو صرخة من أعماق السجون»  ومما  قاله فيها:

 

بالله يا رُسُلَ الثّقَافة خَبِّرونا

كَيفَ حَالُ الأختِ يا إخواني

أعني فلسطينًا وكيفَ أمينُها 

وجنودُهُ وبقيَّةُ السُّكَّان؟

بعدَ الكفاحِ وبعدما بثَّ اليهودُ

شُرورهُم فيها بكُلِّ مكان

إنِّي سَمِعتُ نِداءها وسَمعتُ            

تلــبية الضَّياغِم من بني عدنان

وزئيرَ أشبالِ العُروبةِ من بني           

غسَّان لا نُكِبُوا بنو غسَّان

ونقُولُ يا أشبَالَ آسادِ الشَّرَى          

جاء اليهودُ ودنَّسوا أحضاني

لا درَّ درُّ الغادرينَ فإنَّهم                   

وعَدوا اليهودَ بقسمةِ البُلدان

وبنيَّ كالغُرباء في أوطانِهم            

أوَ لَيسَ هذا مُنتهى الطُّغيان؟

شمل شعر العسكر إجمالا الكثير من مناحي الحياة وكذلك الدين والربط بينهما في كثير من الأحيان وطرح بعض من الأفكار الجريئة التي تعبر عن قناعاته والتي وصفها النقاد بأنها ثورة على العادات الاجتماعية والتقاليد التي كان يراها هو مقيّدة للإبداع والحرية.

ومن يقرأ شعر فهد العسكر يلاحظ كثيرًا من نغمة الشكوى والألم والتعبير عن القلق والواقع المحبط التي يحياه ويعانيه.

وقد كتب في أغراض وفنون الشعر المتنوعة، لكن نغمة الشكوى والألم والشك والقلق والإحباط هي الأبرز.

 

النهاية الأليمة للشاعر فهد العسكر 

عاش فهد حياة كئيبة بائسة بسبب أفكاره فقد كان الشعر المتنفس الوحيد له، ومجال التفريغ العاطفي والنفسي والفكري لديه، فلم يفرح الشاعر بأية ديوان شعري طيلة حياته، وفي خضم ذلك الابتلاء العظيم الذي كان يعيشه ويتجرعه شاعرنا، أصيب في عينيه فاشتد عليه الألم وتضاعف، فعانى أشد المعاناة وأقساها، فلا أطباء ماهرون قريبا منه ولا مال لديه للسفر من أجل العلاج، فأشتد عليه المرض وثقل عليه، وانزوى في غرفة صغيرة قريباً من سوق شعبي في الكويت يسمى (سوق واجف) فأضحى رهين ذلك المحبس، حتى كفّ بصره فغدا رهين محبس آخر هو العمى فازداد شقاء وتعبا وهما ولم يجد سبيلا للسلوان إلا معاقرة الخمر، فتسلل المرض العضال إلى رئتيه فتكاً وتدميراً حتى انهار وهوى فنقله أخوه إلى بيته حتى أسلم الروح .

وبعد وفاته إثر إصابته بمرض التدرن قام أهله بالإنقضاض على أوراقه التي يرون فيها كفرًا وزندقة وقاموا بحرق جميع أشعاره ولم يصلي عليه إلا الشيخ عثمان عيسى العصفور وثلاثة من المهرة ورجل خامس لم يعرف، ودفن في المقبرة العامة بجانب قصر نايف.

 

كلمات فهد العسكر تبعث من جديد

بعد وفاة العسكر قام صديقه الأديب عبد الله الأنصاري بجمع ما تبقى من الأشعار التي تمكن من الحصول عليها، سواء من المسودات المتبقية أو من صدور أصدقائه، ونشر كتاباً يتحدث عنه صدر في العام 1956 حمل عنوان «مؤلفات فهد العسكر حياته وشعره»  وبعد أن تطوّرت حركة الشعر في الكويت أنشأت مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري  جائزة شعرية عام 2001 وتحمل اسم الشاعر  فهد العسكر، وقام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بإصدار كتاب بعنوان «منارات ثقافية كويتية»  اشتمل على دراسة لثلاثة من الشعراء منها دراسة بعنوان «فهد العسكر والمرأة» ثم قامت وزارة المواصلات في العام 2009 بإصدار عدد من الطوابع البريدية، تحمل اسمه تخليدًا لذكراه ولكلماته وكذلك أنتج التلفزيون ثلاثية توثّق حياة الشاعر العسكر عام 1979.