b_100_71_16777215_01_images_image_f1(7).png تعتبر عائشة المرطة الفنانة الكويتية الأولى التي غنت بمرافقة فرقة موسيقية، فقدمت مجموعة من الألحان المُطوَّرة... في بداياتها كانت مطربة شعبية مع فرقة عودة المهنا وبقيت سنوات طويلة... إلى أن غنت للمرة الأولى لحناً غنائياً مُطوَّراً في عنوان «حكم الهوى» من تلحين الفنان خالد الزايد وكلمات ماجد سلطان، قدمت بعده أعمالا غنائية شعبية أصيلة مع شيء من التطوير والتوضيح للمستمع، فنالت محبة الجمهور الخليجي والعربي وراحت تشدو أغانيها في إذاعات الوطن العربي و على شاشاته  بروعة طبقات صوتها وروحها العالية وإخلاصها وتفانيها في محبة جمهورها.

شقت عائشة المرطة طريقها الفني من نجاح إلى نجاح حتى اكتسحت ميدان الغناء النسائي الخليجي، لم تتوقف بل مضت في مجال الغناء، مغتبطة بما تعطيه، سعيدة بما تقدم، ناسجة  بينها وبين جمهورها أقوى الروابط وأصدقها وأجملها، فحققت لنفسها شخصية فنية فريدة وعلامة بارزة في تاريخ الفن الغنائي عموماً والفن السامري خصوصاً، الذي كان مرآة صادقة لروح شعبها الوفي ومثالاً لأصالتها الروحية، ورسمت لنفسها نهجاً خاصاً بها لم يسلكه أحد وكانت صاحبة مدرسة فنية كرّست لها حياتها.

 

سيرتها الذاتية

اسمها الثلاثي عائشة إبراهيم المرطة من مواليد الكويت 1934 في فريج الفوادرة ، نشأت في أسرة محافظة في منطقة «قبلة» وكان منزل العائلة قرب منزل الصقر والثنيان وقرب المستشفى الأميركي.

توفي والدها عندما كانت في السادسة من عمرها، فعاشت في كنف خالها النهام المعروف سالم المرطة، وبعد أشهر من وفاة والدها أصيبت بمرض الجدري الذي أفقدها نعمة البصر.

التحقت بمعهد النور التابع للمعاهد الخاصة منذ لحظة إنشائه وحفظت القرآن الكريم وهي طفلة وعرفت بحلاوة الصوت في ترداد الآيات الكريمة.

أحبّت عائشة المرطة الغناء منذ السابعة من عمرها، وكانت تغني في الأعياد والمناسبات فوق «الدوارف»، من حولها الفتيات يرددن الغناء، عندها شعرت بأن  لديها ما تستطيع أن تقوله عبر هواية محببة، بدل أن تبقى وحيدة.

هكذا وجدت نفسها تعشق الفن ولم يكن لأحد أثر في حياتها الفنية، في طفولتها كانت تقصد مع والدتها قرية الفنطاس التي تميز أهلها بعشق الشعر والفن وكان الغناء رفيقهم في عملهم في الزراعة، وكانت تستمع إليهم وتحفظ أغانيهم منذ سماعها للمرة الأولى، وقد تركت هذه الألحان أثرها في نفسها وأكسبتها أذناً موسيقية وأثرت في حفظها التراث الغنائي القديم، بخاصة فن السامري الذي كانت تقدمه فرقة «مزيعل». ومن الأغاني التي تركت ذكريات جميلة في حياتها «أنا البارحة سهور»، لطالما رددتها في نفسها عندما تتذكر طفولتها المرحة البريئة.

استمرت في الغناء، إشباعاً لرغبتها، في اللقاءات مع الأهل والأصحاب وفي النزهات وظل حبّ الفن قوياً لا تستطيع الاستغناء عنه، وعندما كبرت قليلاً صارت تغني في الحفلات العائلية، إلا انها ما لبثت أن واجهت صعوبات لعدم موافقة اهلها على سلوكها درب الغناء وبعد فترة اقتنعوا ووافقوا.

في الثالثة عشرة من عمرها توفيت والدتها وبعد سنة التحقت بفرقة عودة المهنا الشعبية، لكنها وجدت عقبة جديدة بعدما طلب منها راشد جمعة بوفتين، الذي تزوجته عام 1948 وهي في السابعة عشرة من عمرها، التوقف عن الغناء، فتوقفت فترة قصيرة ثم عادت بعد اقتناع الزوج وموافقته.

 

انطلاقة فنية

شكل عام 1970 بداية انطلاقتها الفنية عندما توجهت إلى الإذاعة الكويتية مع الفنانة القديرة عودة المهنا وقدمت أمام لجنة الاختبار أغنية «يا متلف الروح»، من كلمات عيسى النشمي ولحنها قديم، فأجيزت كمطربة وانطلقت في عالم الغناء والطرب، الذي دخلته بإرادتها وعزيمتها وشخصيتها وموهبتها، وأصبحت بعد ذلك عضواً في جمعية الفنانين الكويتيين.

في اللقاء الأول الذي جمعها بالفنان القدير الملحن خالد الزايد في البرنامج التلفزيوني «للمشاهد مع التحية» إعداد عبدالله المحيلان وتقديمه وإخراجه، انبثقت فكرة تسجيل أغنية حديثة مع فرقة موسيقية.

تضمن البرنامج فقرة فنية غنائية عبارة عن لقاء مطربة أو مطرب مع موسيقي وملحن، فكانت عائشة المرطة وخالد الزايد ضيفي تلك الحلقة، ووعدها الزايد بتقديم أغنية حديثة لها لا سيما انها اشتهرت بالغناء مع فرقة عودة المهنا الشعبية.

لهذه الغاية اتصل الزايد بالشاعر الغنائي ماجد سلطان وطلب منه أن يكتب كلمات أغنية لعائشة المرطة، تردّد الأخير وتخوّف من الفشل لأن عائشة ستقف للمرة الأولى أمام فرقة موسيقية، لكن في النهاية تم التعاون بين الثلاثة في أغنية «حكم الهوى» التي يقول مطلعها:

ياليل دانا لدانا

أشكي ولا من يجيب

إن كان هذا جزانا    الله يجازي الحبيب

حقق الثلاثي عائشة المرطة وخالد الزايد وماجد سلطان نجاحاً ساحقاً وطافت الأغنية أرجاء الخليج العربي. هكذا انتقلت عائشة من مرحلة «الدفوف» إلى مرحلة الفرقة الموسيقية المرافقة ،  فانطلقت من خلالها عبر الأثير ومن ثم عرضت أغانيها بالصوت والصورة في تلفزيون الكويت.

بعد ذلك قدم الشاعر الغنائي ماجد سلطان لعائشة أغنية سامرية بعنوان «عيون الحبايب» إلا أنها لم تحقق النجاح والشهرة التي نالتها أغنيتها الأولى «حكم الهوى».

توالت ألحان خالد الزايد الناجحة لعائشة المرطة فكانت سامرية «البارحة يا حبيبي» بمثابة قنبلة مدوية أحدثت ضجة في الشارع الفني الكويتي، وهي من كلمات الشاعر الغنائي مبارك الحديبي ويقول فيها:

البارحة يا حبيبي ضاق صدري

الناس نامت وأنا نومي عصاني

يا ليت في حالتي يا زين تدري

ما نام ليلي قبل وقت الأذان

كذلك لحن لها الزايد «ودعتك الله» التي اذيعت في أكتوبر 1974 بمناسبة عيد الفطر المبارك مع مجموعة من الأغنيات العاطفية الجميلة يقول مطلعها:

ودعتك يا حبيب الروح

أمانة اللي ما سالت عينه

وإن كان ما عندك غرض لا تروح

فرقا السفر يا حبيب شينه

وقد استطاع الملحن القدير خالد الزايد أن يشبع رغبة الفنانة عائشة المرطة في تقديم ألحان شعبية جميلة ومطوَّرة. بعد ذلك غنت عائشة أغنيات من ألحان الزايد، من أنجحها: «يا هني» من كلمات طلال السعيد ،   «أمباركين» من تأليف مبارك الحديبي ويقول فيها:

امباركين عرس الاثنين

ليلة ربيع عين وقمره

واللي جمع بين قلبين

الله يطول ابعمره

 

تعاون مع ملحنين

إضافة إلى الملحن خالد الزايد الذي كان له دور كبير في نقلها من فنانة شعبية إلى  مطربة تؤدي الأغنية المطورة الحديثة، تعاونت عائشة مع مجموعة من الملحنين وشعراء الأغنية، من بينهم: الفنان يوسف المهنا الذي لحن لها أغنية «أنا يا خلي» وهي من كلمات مبارك الحديبي، الشاعر عبدالله الدويش الذي كتب لها أغنية «إلا يا عبرة»، ولها مشاركات مع مجموعة من الملحين منها:

- أغنية «صبرت أمس» من كلمات يوسف المنيع وألحان عثمان السيد ويقول مطلعها:

صبرت أمس والبارح تصبر

على نار محبوب جفاني

نسى عشرتي وياه واقسمت

ما أدوس الخطى لو هو بكاني

- «طابت السهرة» و «ابشري يا عين» و «نسى عشرتي» و{يايمى» من كلمات عبد الجليل حسين وألحان حمدي الحريري، «عتاب خلي» من كلمات يوسف المنيع وألحان إبراهيم الفرحان، «لوعة الحبّ» من كلمات طلال السعيد وألحان إبراهيم الفرحان.

ومن ألحان غنام الديكان و كلمات سالم ثاني غنت «بلعون» يقول مطلعها:

بلعون ماني عليهم مرتاح

مدري شسوي ضاعت أفكاري

هم عودوا قلبي على الأفراح

واليوم مالي عندهم طاري

غنت من ألحان محمد التتان «يا أهل الهوى»، ومن ألحان إبراهيم الصولة غنت «ناعس الطرف» و{ولع القلب» من كلمات الشاعر عبدالمحسن الرفاعي.

من كلمات الشاعر فهد بورسلي غنت سامرية «الله من هجر المحبين» يقول مطلعها:

الله من هجر المحبين واكوده

واكود هجر مكحله خرس الاعياني

شللي يسليني عن الزين وصدوده

ضاقت عليَّ الدار ما بين خلاني

ومن ألحان عوض دوخي غنت «يا قمر فيك اهتدينا» من كلمات عبد المحسن الرفاعي.

وغنت من ألحان محمود الكويتي أغنية «عز لي  لقلبي» كلمات عبد العزيز البصري.

 

وفاتها

رحلت الفنانة عائشة المرطة تاركة لعشاق الفن الشعبي الأصيل تراثاً فنياً كبيراً، بعد رحلة طويلة مع مرض عضال فتك بجسمها النحيل. ظلت صابرة تتحمله لسنوات وتخفي آلامها عن مستمعيها وتغني وتطرب فكانت نموذجاً للفنان الأصيل.

نقلت إلى مستشفى الصباح في إبريل 1978 للعلاج من آلام حادة كانت تعاودها من فترة إلى أخرى وتماثلت للشفاء بعض الشيء وعادها أصدقاء وفنانون للاطمئنان إلى صحتها، ولكن القدر لم يمهل البسمة التي أشرقت على الوجوه بعد تماثلها للشفاء، فعاودها المرض اللعين لتنتقل بعد ذلك في رحلة علاج إلى  باريس ولندن، وتطلعت النفوس إلى لحظة الشفاء لكن السماء احتضنت عائشة المرطة مساء الاثنين في 13  يوليو 1979 عن عمر يناهر 45 عاماً، ودفنت في جو صعب حيث الحرارة شديدة والرطوبة قاسية، وذلك عند التاسعة والربع من يوم 17  يوليو 1979.

Comments are now closed for this entry